الليرة التركية تتمسك بأسواق الشمال السوري.. لماذا تتعثر عودة الليرة السورية؟

لم تنجح الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية الانتقالية حتى الآن في إزاحة الليرة التركية من أسواق الشمال السوري، رغم مرور أشهر على بدء الدفع باتجاه إعادة العملة الوطنية إلى التداول. فالليرة التركية، التي دخلت الأسواق بقوة منذ عام 2020، لم تعد مجرد وسيلة دفع مؤقتة، بل تحولت خلال سنوات إلى جزء من الحياة الاقتصادية اليومية، فيما تبدو الليرة السورية الجديدة أمام اختبار أصعب: استعادة ثقة فقدتها الأسواق قبل أن تستعيد حضورها.

ورغم تعاميم محافظة إدلب بحصر التعاملات الحكومية والخدمية بالليرة السورية، وإعادة افتتاح مصرف سوريا المركزي فرعه في المحافظة، فإن الواقع التجاري لا يزال أكثر تعقيداً من القرارات الإدارية. فالليرة التركية حاضرة في المتاجر والمطاعم ووسائل النقل والصرافة، بينما يتردد التجار والمواطنون في الانتقال إلى العملة الجديدة، ليس تمسكاً بالتركية بقدر ما هو قلق من السورية.

قرارات حكومية وواقع نقدي مختلف

تسعى الحكومة السورية الانتقالية إلى تنفيذ انتقال تدريجي نحو حصر التداول بالليرة السورية، بالتنسيق مع الجانب التركي لمنع ضخ كميات جديدة من الليرة التركية وسحب الموجود منها تدريجياً.

لكن الخطة تصطدم بعائق أساسي: البديل النقدي لم يصل بعد إلى السوق بالحجم الكافي. ويشير عاملون في الصرافة والتجارة إلى نقص السيولة والفئات الصغيرة من الليرة السورية الجديدة، ما يجعل استخدامها في المعاملات اليومية أكثر تعقيداً، ويدفع التجار إلى العودة للعملة التي اعتادوا عليها.

وتزداد المشكلة تعقيداً مع استمرار التسعير بالدولار والليرة التركية في آن واحد. فالسلعة قد تُسعّر أولاً بالدولار، ثم يحول سعرها إلى التركية أو السورية وفق أسعار صرف متغيرة، لتصبح عملية الشراء نفسها مسألة حسابية مفتوحة على فروقات الأسعار.

الثقة الغائبة هي العقدة

المشكلة الأعمق لا تبدو في الأوراق النقدية بحد ذاتها، بل في الثقة. فالمواطن الذي عاش سنوات من انهيار الليرة السورية وتبدلات سعر الصرف لا يتعامل مع العملة الجديدة باعتبارها حقيقة اقتصادية مستقرة، بل باعتبارها مشروعاً لا يزال يحتاج إلى إثبات قدرته على حفظ القيمة.

ويحذر خبراء اقتصاديون من أن فرض الليرة السورية بالقرارات وحدها لن يكون كافياً، ما لم يترافق ذلك مع توفير السيولة، واستقرار سعر الصرف، وضبط الأسواق، ومنع التسعير المزاجي.

كما أن انتقالاً بهذا الحجم يحتاج إلى خطة واضحة لسحب الليرة التركية واستبدالها، مع تحديد منافذ رسمية للصرف وضمان عدم تكبد المواطنين خسائر أثناء العملية.

سحب التركية يبدأ من استقرار السورية

وتكشف تجربة الشمال أن الحكومة السورية الانتقالية تواجه معضلة تتجاوز استبدال عملة بأخرى. فإعادة الليرة السورية إلى الأسواق تتطلب أولاً إقناع الناس بأنها أكثر من وسيلة دفع مفروضة من السلطة.

وبينما تراهن الحكومة على التدرج والتعاميم والرقابة، يبقى السوق أكثر واقعية وقسوة: العملة التي يثق بها الناس هي التي يستخدمونها، والعملات لا تستعيد مكانتها بالقرارات وحدها.

وفي ظل استمرار نقص السيولة وارتباك التسعير ومحدودية الثقة بالليرة السورية الجديدة، تبدو عملية إخراج الليرة التركية من الشمال السوري طويلة ومكلفة، وقد تتحول من إجراء نقدي إلى اختبار مبكر لقدرة الحكومة السورية الانتقالية على بناء ثقة اقتصادية لم تتشكل بعد.

 

اقرأ ايضاً: خطة سورية-تركية لسحب الليرة التركية واستعادة الليرة السورية في الشمال

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.