البالة في الرقة تحت مقصلة الجمارك.. مصادرات وغرامات تهدد آلاف الأسر
لم تعد تجارة الألبسة المستعملة في الرقة مجرد سوق للملابس منخفضة الكلفة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القطاعات المحلية تعرضاً للارتباك منذ انتقال الإدارة إلى الحكومة السورية الانتقالية. فبين قرار منع التداول، ومصادرات البضائع، وغرامات يقول تجار إنها تفوق قدرتهم على السداد، يجد أصحاب المحال أنفسهم أمام مخزونات تراكمت لسنوات ومصدر رزق مهدد بالانهيار.
ويقول تجار إن الجزء الأكبر من البضائع الموجودة في المستودعات والأسواق أُدخل إلى المحافظة وخُزّن قبل صدور قرار المنع وقبل دخول الحكومة السورية الانتقالية إلى الرقة، وبعضها سبق أن خضع لإجراءات جمركية عبر الإدارة الذاتية سابقاً. ومع ذلك، بات هؤلاء مطالبين اليوم بإعادة تسوية أوضاع بضائعهم وفق إجراءات جديدة، من دون منحهم، بحسب رواياتهم، مهلة كافية لتصريف المخزون أو معالجة وضعه.
غرامات ومصادرات بلا مساحة للمناورة
يروي التاجر خليل السخني أن بيعه ربطة ألبسة مستعملة تزن نحو 40 كيلوغراماً انتهى بغرامة بلغت 1080 دولاراً، بعد حجز سيارة كانت تنقل البضاعة. وبالنسبة لتجار آخرين، لم تتوقف الإجراءات عند الغرامات، بل وصلت إلى مصادرة مخزونات كاملة.
ويتحدث حسان رمضان عن غرامة بلغت نحو 464 ألف دولار على بضائع صودرت في الرقة، وهو رقم يعكس، وفق التجار، اتساع الفجوة بين قدرة السوق المحلية على التحمل وطبيعة الإجراءات المفروضة عليها.
وتقول مصادر من القطاع إن الغموض والخوف دفعا بعض التجار إلى تجميد عمليات البيع والنقل، خشية الوقوع تحت طائلة المصادرات أو الغرامات، فيما تراكمت البضائع في المستودعات بدل أن تتحول إلى دورة اقتصادية تؤمن دخلاً لأصحابها والعاملين معهم.
قطاع فقير يدفع ثمن التحول
تكتسب الأزمة حساسية أكبر لأن البالة ليست سوقاً هامشية في الرقة. فمنذ سنوات، وفرت تجارة الألبسة المستعملة فرص عمل لتجار الجملة وأصحاب المحال والباعة المتجولين والعاملين في النقل والفرز والتوزيع، كما شكلت باباً للدخل أمام نساء معيلات لأسرهن.
وفي مدينة تعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الألبسة الجديدة، تمثل الملابس المستعملة خياراً شبه إجباري لشريحة واسعة من السكان. وبالتالي، فإن إغلاق هذا السوق لا يضغط على التجار وحدهم، بل يرفع كلفة الحصول على أبسط الاحتياجات لدى المستهلكين أيضاً.
احتجاج أمام المحافظة والجمارك
خرج عشرات التجار، الأحد 16 آب، في وقفة أمام مبنى محافظة الرقة ومبنى الجمارك، مطالبين بالإفراج عن الموقوفين وإلغاء الغرامات، إلى جانب منح أصحاب المخزونات مهلة لتصريف بضائعهم.
وتبدو المشكلة هنا أبعد من خلاف جمركي عابر: فانتقال المؤسسات إلى قواعد جديدة لا يفترض أن يحول البضائع الموجودة مسبقاً إلى فخ مالي لأصحابها. وكان يفترض أن ترافق الحكومة السورية الانتقالية أي سياسة تنظيمية بمرحلة انتقالية واضحة، وجرد للمخزونات، وتسويات معلنة، ومهل زمنية تتيح للسوق التكيف.
أما ترك التجار بين قرار منعٍ ومطالب جمركية متبدلة وغرامات ضخمة، فيضع قطاعاً كاملاً أمام مستقبل غامض، ويحوّل عملية ضبط السوق إلى عبء جديد على اقتصاد محلي بالكاد يحتمل المزيد من الخسائر.
اقرأ ايضاً: سوق البالة في دمشق تحت الضغط: رسوم جمركية مرتفعة تعيد فتح باب التهريب