7 آلاف اعتراض في دمشق على نتائج البكالوريا.. أزمة ثقة تتجاوز أخطاء التصحيح
تجاوز عدد الاعتراضات على نتائج الثانوية العامة في دمشق نحو 7 آلاف طلب على مادتين امتحانيتين، في مؤشر فتح نقاشاً أوسع من مسألة وجود أخطاء فردية في التصحيح، ليطال مستوى ثقة الطلاب وأسرهم بآليات التقييم وإعلان النتائج.
ومع تحوّل نتيجة البكالوريا إلى عامل حاسم في تحديد الخيارات الجامعية، باتت العلامة بالنسبة إلى كثير من الطلاب أكثر من رقم نهائي. وبينما تؤكد وزارة التربية اعتمادها إجراءات مراجعة ورقابة متعددة، يرى تربويون ومختصون أن حجم الاعتراضات يستدعي قراءة أسبابها وتحليل نتائجها، بدلاً من التعامل معها كإجراء إداري متكرر كل عام.
7 آلاف اعتراض.. ماذا يقول الرقم؟
شهدت مديرية التربية في دمشق تجمع طلاب وأولياء أمور لتقديم طلبات الاعتراض، وسط مطالب متكررة بالتأكد من دقة النتائج وإتاحة قدر أكبر من الشفافية بشأن آليات التصحيح.
ويرى الخبير التربوي حسين الفارس، أن الرقم لا يمكن تفسيره بمعزل عن الظروف التي رافقت إعلان النتائج. ويقسم الأزمة إلى ثلاثة مستويات مترابطة: أولها يتعلق بالثقة في دقة التصحيح ومعاييره، وثانيها بالجانب التقني والإداري وقدرة منظومة وزارة التربية الرقمية على التعامل مع إعلان نتائج البكالوريا، وثالثها اجتماعي ونفسي يرتبط بربط مستقبل الطالب بمجموع درجاته.
وتشير مقابلات مع طلاب وأولياء أمور إلى عوامل أخرى ساهمت في زيادة الشك، من بينها الضغط الواقع على المصححين، وعدم تمكن الطالب من الاطلاع على ورقة إجابته، وضعف التواصل بشأن طريقة التصحيح، إلى جانب ارتفاع سقف توقعات الطلاب والأسر.
وبالنسبة إلى أحمد القاضي، أحد المتقدمين بطلب اعتراض، فإن النتيجة التي حصل عليها لا تتوافق مع مستواه الدراسي خلال العام. ويقول: “درست سنة كاملة، كنت أحل نماذج وأحصل على علامات عالية، النتيجة التي صدرت لا تشبهني”.
وأوضح القاضي أنه تقدم باعتراض على مادتين، مضيفاً أن هدفه ليس بالضرورة الحصول على زيادة كبيرة في العلامة، وإنما “التأكد أن حقي لم يضع”.
وتصف سارة العلي، والدة طالبة، حالة ابنتها بعد صدور النتيجة بأنها كانت صادمة، مشيرة إلى أن الأسرة لم تكن تتوقع الفارق بين العلامة التي انتظرتها والنتيجة الفعلية.
وتقول العلي لموقع”963+”: “ابنتي انهارت عندما رأت نتيجتها، لم تكن تتوقع هذا الفارق، نحن لا نطلب معجزة، نريد فقط شفافية”.
وتضيف أن الأسرة أنفقت جزءاً كبيراً من دخلها على الدروس الخصوصية، معتبرة أن الوصول إلى مجموع مرتفع تحول إلى “مشروع عائلي كامل”.
المصححون: الضغط موجود وهامش الخطأ لا يمكن إلغاؤه
في المقابل، يرى مدرسون شاركوا في عمليات التصحيح أن طبيعة العمل والعدد الكبير من أوراق الإجابة يفرضان ضغوطاً لا يمكن تجاهلها.
وقال أحد المصححين، مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، لموقع “963+” إن المدرسين يصححون مئات الأوراق يومياً ضمن فترة زمنية محددة، مع وجود تعليمات وسلالم تصحيح معتمدة، لكنه أقر بأن العامل البشري لا يمكن استبعاده بشكل كامل.
ويقر المصحح بإمكانية وقوع أخطاء، لكنه يرى أنها ليست بالحجم الذي يتصوره بعض الطلاب، معتبراً أن شعور الطالب بالظلم قد يدفعه أحياناً إلى تعميم تجربته على كامل عملية التصحيح.
في المقابل، أشار مصحح آخر إلى أن كثافة أوراق الإجابة قد تؤثر في مستوى التدقيق، خصوصاً في المواد التي تحتاج إلى قراءة وتحليل، قائلاً إن التعامل مع أعداد كبيرة من الأوراق يجعل الحفاظ على التركيز “تحدياً بحد ذاته”.
لماذا يطالب الطلاب برؤية أوراقهم؟
لا يتعامل بعض الطلاب مع الاعتراض باعتباره محاولة لرفع العلامة فقط، بل يرونه وسيلة لمعرفة كيفية احتسابها.
ويقول ياسر الموسى، وهو طالب تقدم باعتراض على نتيجته: “لا أتهم أحداً، لكن لماذا لا نرى أوراقنا؟ لو كان هناك خطأ أو لا، على الأقل أقتنع”.
ويرى الموسى أن إتاحة ورقة الإجابة للطالب يمكن أن تكون إحدى الخطوات التي تساعد على تعزيز الثقة بالنتيجة، سواء أثبتت وجود خطأ أم أكدت صحة العلامة المعلنة.
أما الطالبة نور سليمان، فتعتقد أن ارتفاع عدد الاعتراضات ساهم في تشجيع مزيد من الطلاب على تقديم طلباتهم، حتى ممن حصلوا على علامات جيدة.
وتقول: “الجميع يقدم اعتراضاً، حتى من حصل على علامات جيدة، لأن هناك شعوراً عاماً بأن النتائج غير دقيقة”.
وبينما لا تثبت هذه الشهادات وحدها وجود أخطاء واسعة في التصحيح، فإنها تعكس حجم الشك الذي رافق النتائج لدى شريحة من الطلاب وأولياء الأمور.
البكالوريا والضغط النفسي
وترى الاختصاصية النفسية والاجتماعية دلال العبدالله، أن الضغوط التي ترافق امتحانات الثانوية لا تقتصر على أجواء الامتحان نفسه.
فالطالب، وفق العبدالله، يدخل هذه المرحلة محملاً بتوقعات الأسرة والأقارب، وتكاليف الدروس الخصوصية، وسنوات الدراسة، وطموح دخول الجامعة، إضافة إلى المقارنات مع الأصدقاء. ولذلك قد تكون النتيجة أكثر تأثيراً عندما تأتي على خلاف توقعاته.
وتقول إن امتحان البكالوريا في سوريا اكتسب أهمية تتجاوز كونه اختباراً مدرسياً، إذ أصبح مرتبطاً في نظر الطالب وأسرته بتحديد مساره الجامعي والمهني، ما يجعل الشك في عدالة النتيجة أكثر قابلية للتسبب بضغط نفسي.
وتحذر العبدالله من أن استمرار الشعور بعدم الإنصاف قد ينعكس على دافعية الشباب ونظرتهم إلى مستقبلهم، خصوصاً أن مرحلة الثانوية تمثل بالنسبة إلى كثير من الطلاب نقطة انتقال أساسية نحو التعليم الجامعي والعمل.
عطل منصة النتائج يضيف بعداً تقنياً
ولم يقتصر الجدل الذي رافق النتائج على العلامات والتصحيح، إذ واجه التطبيق الرسمي لعرض النتائج ضغطاً كبيراً عقب إعلانها، بعدما تجاوز عدد محاولات الدخول مليون طلب خلال فترة قصيرة، ما أدى إلى تعطله مؤقتاً ودفع وزارة التربية إلى إصدار بيان توضيحي.
ويرى المهندس محمد العباسي أن المشكلة التقنية تطرح بدورها تساؤلاً حول جاهزية البنية الرقمية للوزارة للتعامل مع حدث بحجم إعلان نتائج مئات آلاف الطلاب في وقت واحد.
ويقترح العباسي توزيع الخوادم جغرافياً بحسب المحافظات، إلى جانب توفير وسائل بديلة، مثل الرسائل النصية، بهدف تخفيف الضغط عن المنصة الرئيسية عند إعلان النتائج.
وفي الجانب الامتحاني، تعرض امتحان الرياضيات للفرع العلمي لانتقادات واسعة من طلاب وصفوه بالصعب، بينما طالب أهالٍ بمراجعة آلية إعداد الأسئلة بما يضمن تكافؤ الفرص بين المتقدمين.
كلفة الاعتراض وإجراءات المراجعة
أضافت إجراءات الاعتراض أعباء أخرى على بعض الأسر، في ظل الازدحام وبطء المعاملات وكلفة التنقل إلى مراكز تقديم الطلبات.
ويبلغ رسم الاعتراض 12 ألف ليرة للمادة، على أن يُعاد للطالب 7 آلاف ليرة في حال ثبوت صحة الاعتراض. ويحق للطالب الاعتراض على مادتين في المرحلة الأولى، مع إمكانية تقديم اعتراض إضافي لاحقاً.
وتثير هذه الآلية تساؤلات بشأن تحميل الطالب جزءاً من الكلفة المالية عندما يتبين أن الاعتراض كان محقاً، ولا سيما في الحالات التي يكون فيها سبب الاعتراض متعلقاً باحتمال وجود خطأ في التصحيح أو احتساب العلامة.
الوزارة: مراجعات متعددة للنتائج
من جهتها، تؤكد وزارة التربية أن مرحلة التنتيج من أكثر مراحل العملية الامتحانية حساسية، وأنها تعتمد مراجعات على مستويات عدة، إلى جانب منظومة إلكترونية وإجراءات رقابية بهدف ضمان حصول كل طالب على النتيجة المستحقة.
وبعد الجدل الذي رافق امتحان الرياضيات، أعلنت الوزارة أخذ عينات عشوائية من أوراق الإجابة في خمس محافظات، وقالت إن النتائج الأولية أظهرت نسبة نجاح تقارب 70%.
لكن علي المحمد، المسؤول السابق في الرقابة الداخلية بوزارة التربية، يرى أن وجود آليات رقابة لا يكفي وحده لاستعادة ثقة الطلاب والأسر، ما لم تكن طريقة عمل هذه الرقابة ونتائجها واضحة.
ويشير المحمد إلى أهمية معرفة نسبة الأخطاء التي تثبتها الاعتراضات، وعدد الطلبات المقبولة، وحجم التعديلات التي تطرأ على العلامات، معتبراً أن بيانات الاعتراضات يمكن أن تساعد في تحديد مواضع الخلل، سواء كانت مرتبطة بالتصحيح أو الجمع أو النقل أو التنتيج.
الاعتراض كأداة لتشخيص الخلل
ويؤكد الخبير التربوي سعيد بعاج أن إحدى المشكلات الأساسية تتمثل في عدم قدرة الطالب على معرفة كيفية الوصول إلى علامته النهائية.
ويطرح بعاج مثالاً على ذلك قائلاً: “تخيل طالباً حصل على 300 في مادة، بينما كان يعتقد أنه يستحق 550، ما الذي يستطيع معرفته؟ هل أخطأ في خمسة أسئلة؟ أم فقد علامات بسبب خطوات الحل؟ وهل هناك سؤال لم يُحتسب؟ أم حدث خطأ في الجمع؟”.
ويرى أن بناء الثقة لا يتحقق بمجرد مطالبة الطالب بالثقة بالنتيجة، وإنما من خلال تمكينه من فهم الطريقة التي احتُسبت بها علامته.
وبناءً على ذلك، يطرح بعاج مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تسهم في معالجة المشكلة، بينها رفع كفاءة المصححين، وإتاحة نسخة إلكترونية من أوراق الإجابة، وتوسيع استخدام أدوات التصحيح الرقمية، إلى جانب توفير دعم نفسي للطلاب خلال مرحلة إعلان النتائج والاعتراضات.
هل تحتاج البكالوريا إلى مراجعة أوسع؟
وتفتح أزمة الاعتراضات الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة امتحان الثانوية العامة ودوره في تقييم الطلاب. فبحسب الطرح الوارد في المادة، لا تقتصر المسألة على دقة التصحيح، وإنما تمتد إلى السؤال عن المهارات التي يقيسها الامتحان ومدى توافقها مع أهداف العملية التعليمية.
فإذا كان التركيز الأساسي ينصب على الحفظ، سيبقى الامتحان متركزاً على قياس هذه القدرة، بينما يتطلب إعداد طالب قادر على التحليل وحل المشكلات تطوير أساليب التقييم بحيث تعكس هذه المهارات.
وبهذا المعنى، قد تتحول مراجعة تجربة الاعتراضات، بما تحمله من ملاحظات حول التصحيح والرقمنة والشفافية والضغط النفسي، إلى مدخل لنقاش أوسع حول تطوير امتحان البكالوريا ومنظومة التعليم التي يقوم عليها.
اقرأ أيضاً:وزارة التربية تعلن نتائج التعليم الأساسي والإعدادية الشرعية لدورة 2026