العدادات الذكية في دمشق… مشروع رقمي لمياهٍ ما زالت تبحث عن الاستقرار

تستعد المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في دمشق لبدء تجربة تركيب 100 عداد مياه ذكي في مركز العاصمة، ضمن مشروع حكومي واسع يهدف إلى تركيب خمسة ملايين عداد في المحافظات خلال أربع سنوات. مشروع يُقدَّم بوصفه خطوة نحو رقمنة الخدمة وضبط الهدر، لكنه يضع الحكومة السورية الانتقالية أمام سؤال أكثر تعقيداً من مجرد تحديث العدادات: هل تستطيع التكنولوجيا إصلاح شبكة أنهكتها سنوات الإهمال والضعف التشغيلي؟

المشروع، الذي أعلنته وزارة الطاقة في حزيران الماضي، يتضمن توريد وتركيب عدادات مسبقة الدفع تعمل بتقنية الأمواج فوق الصوتية، على أن يصل عدد العدادات الموردة خلال عام 2026 إلى نحو 300 ألف، قبل استكمال التوسع في السنوات اللاحقة.

من عداد قديم إلى منظومة رقابية

بحسب معاون المدير العام للمؤسسة المهندس خالد الغازي، فإن التجربة الأولى ستختبر دقة القياس والمعايرة ونقل البيانات والربط مع المنصة المركزية، قبل التوسع التدريجي.

ومن المفترض أن يتمكن المشترك لاحقاً من متابعة استهلاكه وفاتورته عبر تطبيقات رقمية، وإجراء عمليات الشحن وتقديم الشكاوى والاعتراضات إلكترونياً. كما تراهن المؤسسة على البيانات الجديدة لكشف التسربات وتحسين الصيانة وتقليص الفاقد التجاري والفني.

وتؤكد المؤسسة أن تركيب العداد لن يعني بحد ذاته رفع تعرفة المياه، وأن الكلفة الشهرية للأسرة المرشدة يفترض ألا تتجاوز 5% من دخلها الشهري.

لكن هذه الوعود تظل مرتبطة بقدرة المؤسسة على تشغيل منظومة رقمية متكاملة، لا بمجرد تركيب جهاز على أنبوب. فالعداد الذكي لا يستطيع معالجة انقطاع المياه، ولا إصلاح شبكة متضررة، ولا تعويض نقص الصيانة والكوادر، ولا حل أزمة الطاقة التي تضرب مختلف القطاعات الخدمية.

خمسة ملايين عداد أمام اختبار الواقع

يرى المختص بتقنيات الموارد المائية خالد حسن أن أهمية العدادات الذكية تكمن في نقل إدارة الاستهلاك من التقدير والقراءة اليدوية إلى البيانات اللحظية والتحليل المستمر.

فالمنظومة قادرة، عند اكتمالها، على رصد أنماط استهلاك غير طبيعية والتنبيه إلى تسرب محتمل داخل المنزل أو الخزان، ما يسمح بخفض الهدر قبل أن يتحول إلى استنزاف مستمر للمياه والمال.

غير أن نجاح ذلك يتطلب أكثر من عدادات حديثة؛ إذ تحتاج المنظومة إلى اتصالات مستقرة وقواعد بيانات وبرمجيات قادرة على معالجة ملايين القراءات، فضلاً عن كوادر تستطيع تحويل البيانات إلى قرارات تشغيلية حقيقية.

رقمنة الأزمة لا تكفي

تبدو الخطة جذابة على الورق: خمسة ملايين عداد، قاعدة بيانات وطنية، فواتير أكثر دقة، وشكاوى إلكترونية. لكن الخطر أن تتحول الرقمنة إلى واجهة حديثة لمشكلة قديمة، إذا لم تترافق مع إصلاح البنية التحتية وتحسين الضخ والصيانة ومعالجة الفاقد وتأمين استدامة الخدمة.

فالمواطن الذي ينتظر المياه بالساعات لن يعنيه كثيراً أن يعرف استهلاكه عبر تطبيق إذا كانت المياه نفسها لا تصل بانتظام.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للمشروع لن يكون في قدرة العداد على تسجيل كل قطرة، بل في قدرة الحكومة السورية الانتقالية على تحويل تلك البيانات إلى خدمة أفضل، وشبكات أكثر كفاءة، وفاقد أقل، ومياه تصل إلى المنازل بانتظام.

وإلا، فقد تنجح الدولة في بناء منظومة ذكية لقياس أزمة المياه، من دون أن تنجح في حلها.

 

اقرأ أيضاً: أزمة البيئة والمياه في دمشق: 10 ملايين سوري بلا مياه و41% زيادة بالمركبات

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.