نفط الحسكة يمر.. وأهلها يعطشون: احتجاجات تغلق الطرق وتكشف انهيار الخدمات في الريف الجنوبي
لم تعد أزمة المحروقات في محافظة الحسكة مجرد نقص في مادة حيوية، بل تحولت إلى عنوانٍ لانفجار اجتماعي يكشف المفارقة القاسية بين ثراء الأرض وفقر سكانها. ففي منطقة تعبر منها صهاريج النفط يوميًا نحو الداخل السوري، يقف الأهالي أمام الطرقات محتجين على انعدام المازوت وارتفاع أسعار المياه وتراجع الخدمات الأساسية، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الموارد المتاحة والواقع المعيشي المتدهور.
ولليوم الثاني على التوالي، يواصل أهالي بلدتي الحدادية ودعبيل وعدد من قرى ريف الحسكة الجنوبي قطع الطرق أمام صهاريج النفط القادمة من حقل الجبسة، مطالبين بتوفير المحروقات للسكان المحليين، وتحسين الخدمات، وإعادة النظر بملف المفصولين من العمل في الحقل، إلى جانب خفض أسعار المواد الأساسية التي باتت تثقل كاهل الأهالي.
احتقان شعبي.. عندما تصبح أبسط مقومات الحياة مطلبًا
داخل ساحات الاحتجاج، لم تعد الشعارات تتعلق بالغلاء فقط، بل بحالة انهيار خدمي يصفها السكان بأنها وصلت إلى حدود غير مسبوقة.
يقول محمد العبود، أحد المحتجين من بلدة دعبيل، إن الأهالي لم يعودوا قادرين على تحمل استمرار التدهور، مضيفًا أن “الناس لا تطالب بالرفاهية، بل بالحد الأدنى من شروط البقاء”.
ويشير إلى أن أزمة المياه والمحروقات والخبز تتفاقم بشكل يومي، فتكلفة تعبئة خزان مياه ارتفعت خلال فترة قصيرة من نحو 30 ألف ليرة إلى أكثر من 150 ألفًا، بينما تتراجع قدرة السكان الشرائية في ظل غياب فرص العمل وتآكل مصادر الدخل.
ويؤكد المحتجون أن إغلاق الطرق لم يكن غاية بحد ذاته، بل وسيلة ضغط بعد سنوات من الوعود التي لم تنعكس على حياة السكان، وسط تصاعد شعور عام بأن الثروات الموجودة في المنطقة لا تترجم إلى خدمات حقيقية لأبنائها.
المازوت المفقود يوقف المياه والنقل
امتدت تداعيات أزمة الوقود إلى قطاعات حيوية، بعدما توقفت صهاريج نقل المياه في مناطق واسعة من الحسكة بسبب انقطاع مخصصات المازوت المدعوم، الأمر الذي يهدد بحدوث أزمة عطش في القرى التي تعتمد بشكل كامل على المياه المنقولة.
ويقول سليمان العلي، أحد أصحاب صهاريج المياه، إن استمرار العمل أصبح شبه مستحيل مع اضطرار أصحاب الصهاريج لشراء المازوت من السوق الحرة بأسعار تصل إلى 14 ألف ليرة لليتر الواحد، ما يجعل تكاليف التشغيل أعلى من القدرة على التحمل.
وفي المدينة، لم يكن قطاع النقل الداخلي بمنأى عن الأزمة، إذ تراجع عدد سيارات “الفوكس” العاملة إلى نحو 150 مركبة فقط من أصل 698، بسبب عدم حصول مئات السائقين على مخصصاتهم من الوقود منذ أكثر من عشرة أيام.
ويقول السائق أحمد الحسين إن شراء المازوت من السوق السوداء رفع تكاليف التشغيل بشكل كبير، ما دفع بعض السائقين إلى تقليل عدد الرحلات، فيما اضطر آخرون إلى التوقف الكامل عن العمل، الأمر الذي انعكس مباشرة على أجور النقل التي ارتفعت بشكل ملحوظ وأثقلت كاهل المواطنين.
منطقة غنية بالثروات.. وفقيرة بالخدمات
تعكس الاحتجاجات المتصاعدة في ريف الحسكة حالة من التناقض الصارخ؛ فالمحافظة التي تضم أبرز الحقول النفطية في سوريا تعاني في الوقت ذاته من أزمات متلاحقة في الوقود والمياه والنقل والخدمات الأساسية.
ويقول علي المحمد، أحد أبناء المنطقة، إن الأهالي وصلوا إلى مرحلة لم يعد لديهم فيها ما يخسرونه، مشيرًا إلى أن البطالة تتوسع، والخدمات تتراجع، بينما يواجه السكان أعباءً معيشية متزايدة دون حلول ملموسة.
ويحذر سكان محليون من أن استمرار تجاهل المطالب قد يدفع نحو توسع دائرة الغضب الشعبي، في ظل تآكل الثقة بالوعود الرسمية وغياب إجراءات سريعة تخفف من حجم الأزمة.
وعود حكومية تصطدم بواقع متدهور
تأتي هذه الاحتجاجات رغم إعلان الجهات الحكومية بدء تزويد محطات الوقود في الحسكة بالمحروقات ضمن خطة تهدف إلى دعم القطاع الزراعي وضمان استمرار موسم الحصاد، إلا أن سكان المنطقة يؤكدون أن تلك الإجراءات لم تظهر نتائج واضحة على الأرض.
وبين صهاريج النفط التي تواصل رحلتها خارج القرى، والبيوت التي تنتظر قطرة ماء أو ليتر مازوت، تبدو الحسكة أمام مشهد يعكس عمق الاختلال في إدارة الموارد والخدمات، حيث تتحول الثروة الطبيعية إلى مصدر إضافي للسخط الشعبي بدل أن تكون بوابة لتحسين ظروف الحياة.
وفي ظل استمرار الاحتجاجات واتساع دائرة المتضررين، تبقى الأسئلة معلقة حول قدرة الجهات المسؤولة على احتواء الأزمة قبل أن تتحول من أزمة خدمات إلى مواجهة اجتماعية أوسع في واحدة من أكثر مناطق سوريا غنى بالموارد وأشدها معاناة في الواقع المعيشي.