اللامركزية الإدارية في سوريا.. هل تتجه المحافظات نحو صلاحيات أوسع؟

تتزايد في سوريا الحاجة إلى تطوير أداء المؤسسات الحكومية وتسريع الاستجابة لاحتياجات المواطنين، بالتزامن مع استمرار ارتباط العديد من القرارات في المحافظات والمديريات بالموافقات الصادرة عن الوزارات المركزية في دمشق، ما يعيد طرح ملف اللامركزية الإدارية في سوريا وحدود الصلاحيات التي يمكن منحها للإدارات المحلية.

ويأتي هذا النقاش في ظل تفاوت الاحتياجات بين المحافظات السورية، وطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية والإدارات المحلية، والملفات التي يمكن نقل صلاحية اتخاذ القرار فيها من دمشق إلى المحافظات، خصوصاً ما يتعلق بالخدمات اليومية وشؤون المواطنين.

تطبيق محدود للامركزية الإدارية

يقول أوس درويش، أستاذ القانون العام في جامعة السلطان قابوس، لـ”963+” إن اللامركزية الإدارية في سوريا أُقرت ضمن عدد من القوانين منذ عقود، إلا أن تطبيقها بقي، بحسب رأيه، محدوداً ولم يشمل جميع الصلاحيات التي نصت عليها القوانين.

ويوضح درويش أن مسار اللامركزية الإدارية يعود إلى عام 1957 مع صدور قانون التنظيمات الإدارية رقم 496، ثم تطور مع القانون رقم 15 لعام 1971، وصولاً إلى قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011.

ويشير إلى أن قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011 وضع إطاراً قانونياً لمبدأ اللامركزية الإدارية والإدارة المحلية، إلا أن تطبيق مواده بقي جزئياً، مع استمرار حضور المركزية في إدارة العديد من الملفات.

وبحسب درويش، فإن المرحلة التي أعقبت سقوط النظام تواجه تحديات إدارية واقتصادية وسياسية، الأمر الذي يجعل مسألة توزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والمحافظات أكثر أهمية في المرحلة الحالية.

ويرى أن توسيع صلاحيات المديريات والمؤسسات الحكومية في المحافظات يمكن أن يسهم في تسهيل معاملات المواطنين وتسريع اتخاذ القرارات، فضلاً عن تحقيق فوائد إدارية واقتصادية من خلال معالجة عدد من الملفات على المستوى المحلي.

ويضيف أن توسيع الصلاحيات يمكن أن يشمل قطاعات عدة، من بينها التربية والتعليم العالي والبلديات، بما يسمح للمديريات المحلية بالتعامل مع عدد أكبر من القضايا دون الحاجة إلى العودة إلى الوزارات المركزية في كل التفاصيل.

ويشير درويش إلى أن منح الإدارات المحلية صلاحيات أوسع قد يساعد في الحد من الإجراءات الروتينية والبيروقراطية، وتحسين كفاءة العمل الحكومي، خصوصاً عندما تكون القرارات مرتبطة باحتياجات محلية تختلف من محافظة إلى أخرى.

ويؤكد أن اللامركزية الإدارية يمكن أن تكون إحدى الأدوات لتطوير الإدارة العامة في سوريا، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن تعقيدات الواقع السوري تفتح النقاش أمام خيارات أوسع، من بينها اللامركزية السياسية.

نقل القرار إلى المستوى المحلي

من جانبه، يقول أحمد المسالمة، صحفي ومحلل سياسي، لـ”963+” إن استمرار ارتباط العديد من القرارات المحلية بالموافقات الوزارية يعود إلى إرث إداري اتسم بدرجة مرتفعة من المركزية، ما جعل الوزارات في دمشق صاحبة القرار في ملفات يمكن، بحسب رأيه، حسم جزء منها على المستوى المحلي.

ويشير المسالمة إلى عوامل أخرى تسهم في استمرار هذا النموذج، بينها التخوف من اختلاف القرارات بين المحافظات، إلى جانب محدودية الثقة بقدرة بعض الإدارات المحلية على إدارة الصلاحيات والموارد.

ويرى أن استمرار ربط القرارات المحلية بالمركز قد يؤدي إلى تأخير معالجة المشكلات وزيادة الكلفة الإدارية، كما يحد من قدرة المؤسسات الحكومية على الاستجابة السريعة للاحتياجات المحلية.

ويؤكد أن توسيع اللامركزية الإدارية لا يعني إلغاء دور الحكومة المركزية، وإنما يمكن أن يقوم على حصر دور الوزارات في وضع السياسات العامة والمعايير والرقابة، مقابل منح الجهات المحلية صلاحيات أوسع في القرارات التنفيذية.

ويعتبر المسالمة أن توسيع صلاحيات المحافظات والمديريات يمثل حاجة عملية في المرحلة الحالية، خصوصاً في ظل اختلاف الظروف والاحتياجات بين المحافظات السورية.

ويشمل نطاق الصلاحيات التي يمكن نقلها إلى المستوى المحلي، بحسب طرحه، ملفات الخدمات والصحة والتعليم والاستثمار وإدارة الموارد والاستجابة للطوارئ، مع الإبقاء على وضع السياسات العامة والمعايير وآليات الرقابة ضمن اختصاص الوزارات، بما يحافظ على وحدة الإدارة ويمنح المحافظات مرونة أكبر في اتخاذ القرار.

ويعيد هذا النقاش ملف الإدارة المحلية واللامركزية في سوريا إلى الواجهة، وسط تساؤلات حول مدى قدرة توسيع الصلاحيات المحلية على تحسين الخدمات وتقليل البيروقراطية، وآليات تحقيق توازن بين وحدة الدولة واحتياجات المحافظات المختلفة.

إقرأ أيضاً: تفويض صلاحيات المحافظين في سوريا.. خطوة لتعزيز اللامركزية الخدمية وتقليص البيروقراطية

إقرأ أيضاً: إلهام أحمد: الاتفاق مع دمشق يرسخ اللامركزية ولا يحل مؤسسات الإدارة الذاتية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.