عودة شركات النفط إلى سوريا تفتح معركة العقود.. كيف ستُوزع عائدات الموارد؟
يتزايد اهتمام شركات الطاقة الدولية والإقليمية بقطاع النفط والغاز السوري خلال الأشهر الأخيرة، مع انتقال التحركات من توقيع مذكرات تفاهم أولية إلى بحث عقود للاستكشاف وتطوير الحقول القائمة. ويعيد هذا الانفتاح طرح سؤال يتجاوز قدرة الشركات على رفع الإنتاج، يتعلق بشروط العقود التي ستحدد مستقبل توزيع عائدات الموارد وحدود دور الدولة في إدارة القطاع.
وكانت أحدث المؤشرات على هذا الاهتمام إعلان الرئيس التنفيذي لـ«توتال إنرجيز»، باتريك بويانيه، في تموز/يوليو، أن الشركة تبحث إمكانية إبرام عقد للاستكشاف البحري.
وجاء ذلك بعد اتفاق جمع «توتال إنرجيز» مع «قطر للطاقة» و«كونوكو فيليبس» لإجراء مراجعة فنية للبلوك البحري رقم 3 قرب اللاذقية. وقال بويانيه إن الظروف الأمنية لا تسمح للشركة في الوقت الحالي باستئناف عملياتها البرية، ما يعكس استمرار تأثير المخاطر الأمنية في قرارات الاستثمار وحجم الأموال التي يمكن للشركات ضخها في سوريا.
قطاع النفط أمام فجوة إنتاجية كبيرة
يواجه قطاع النفط والغاز السوري فجوة واسعة بين مستويات الإنتاج السابقة وقدرته الحالية. وقبل 2011، بلغ إنتاج النفط نحو 380 ألف برميل يومياً، فيما وصل إنتاج الغاز إلى قرابة 900 مليون قدم مكعبة يومياً.
وخلال سنوات الحرب، تراجع إنتاج النفط بنحو 80 بالمئة، بينما انخفض إنتاج الغاز إلى نحو نصف مستوياته السابقة، وفق تقديرات «وود ماكنزي».
وترى المؤسسة أن بعض الإصلاحات منخفضة التكلفة للآبار والمنشآت القائمة يمكن أن تساعد في زيادة الإنتاج خلال المدى القريب، إلا أن استعادة مستويات الإنتاج على نطاق واسع تحتاج إلى رأس مال أجنبي، وتقنيات حديثة، وطرق مستقرة لتصدير الإنتاج.
وفي حزيران/يونيو، سبقت تحركات «توتال إنرجيز» اتفاقية وقعتها «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا» لتطوير حقول غاز قائمة واستكشاف حقول جديدة، مع تقديرات بإمكانية إضافة ما بين أربعة وخمسة ملايين متر مكعب من الغاز يومياً خلال عام.
ومع دخول أسماء أميركية وأوروبية وإقليمية إلى المشهد، تبدو الخريطة الاستثمارية للقطاع أمام إعادة تشكيل بعد سنوات طويلة من التراجع والانكماش.
لكن زيادة عدد الشركات المهتمة لا تحسم السؤال الأهم المتعلق بطريقة إدارة الموارد، إذ تختلف آثار العقود بحسب النموذج الذي تختاره الدولة، سواء كان عقد امتياز أو تقاسم إنتاج أو عقد خدمة.
ويحدد كل نموذج طريقة استرداد المستثمر لتكاليفه، وحجم الأرباح التي يحصل عليها، ومستوى السيطرة الذي تحتفظ به الدولة على المورد. ووفق البنك الدولي، فإن تصميم العقود يؤثر بصورة مباشرة في توزيع المخاطر والعائد والسلطة بين الدولة والشركة، ما يجعل اختيار الصيغة التعاقدية من أبرز القضايا بالنسبة إلى الدول التي تحتاج إلى تمويل خارجي كبير.
المخاطر الأمنية ترفع كلفة الاستثمار
ولا تكفي تقديرات الاحتياطي وحدها لتحديد قدرة قطاع الطاقة السوري على التعافي، وفق خبير أمن الطاقة أومود شكري، الذي قال لموقع «تلفزيون سوريا» إن الجدوى الاقتصادية للاستثمار ترتبط أيضاً بوضع البنية التحتية والأمن والتمويل وكفاءة المؤسسات المسؤولة عن إدارة القطاع.
ويقدر شكري احتياطيات سوريا بنحو 2.5 مليار برميل من النفط و8.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز، لكنه يشير إلى أن تحويل هذه الموارد إلى إنتاج مستقر يحتاج إلى استثمارات واسعة.
وتعني المخاطر المرتفعة، بحسب قراءة شكري، أن الشركات التي تدخل السوق السورية قد تسعى إلى الحصول على شروط تعوض جزءاً من احتمالات التأخير أو الخسارة، سواء من خلال تمديد مدة العقود أو منحها مرونة أكبر في استرداد النفقات وتحقيق العائدات.
وبذلك تصبح قدرة الجانب السوري على التفاوض مرتبطة، من بين عوامل أخرى، بقدرته على خلق منافسة بين المستثمرين، وتجنب ربط تطوير الحقول بشركة واحدة أو نموذج تعاقدي واحد.
خط كركوك–بانياس يضيف قيمة للقطاع
ولا تقتصر أهمية النفط والغاز السوريين على حجم الاحتياطيات والإنتاج المحتمل، إذ يرتبط القطاع أيضاً بموقع سوريا في شبكة نقل الطاقة الإقليمية.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع خط كركوك–بانياس الذي يصل حقول العراق بالساحل السوري. وكانت واشنطن قد أعلنت في 14 تموز/يوليو دعم جهود إحياء الخط، بالتزامن مع بحث دول المنطقة عن مسارات إضافية لنقل الطاقة إلى البحر المتوسط.
ويضيف هذا المسار بعداً جغرافياً إلى قيمة الحقول السورية، لارتباطها المحتمل بشبكات النقل والتكرير والتصدير، وليس بالإنتاج المحلي وحده.
شروط العقود تحدد مكاسب الدولة
يرى الخبير النفطي عثمان الحضيري، أن إعادة بناء قطاع النفط بعد سنوات من الاضطراب تتطلب حذراً في التعامل مع العقود طويلة الأجل.
ويشير الحضيري إلى أن حاجة الدول إلى السيولة والاستثمار يمكن أن تمنح الشركات الأجنبية قوة تفاوضية أكبر، وهي مسألة تكتسب أهمية في الحالة السورية في ظل محدودية المعلومات المنشورة حتى الآن بشأن نسب تقاسم العائدات، ومدد بعض الاتفاقات، وآليات استرداد التكاليف.
ومن هذا المنطلق، يضع الحضيري الشفافية والرقابة على العقود في صميم إدارة الثروة النفطية، موضحاً أن القضية لا تتعلق بجنسية المستثمر أو حجمه فقط، وإنما بالشروط المالية والفنية التي يحصل عليها.
ويشمل ذلك مدى تناسب الامتيازات الممنوحة مع حجم المخاطر الفعلية ورأس المال الذي يضخه المستثمر، إضافة إلى إخضاع العقود الكبرى لمراجعة تستند إلى معايير اقتصادية وقانونية واضحة.
ولا تقتصر مكاسب الدولة، وفق هذا الطرح، على نسبة الإنتاج التي تحصل عليها. فنقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية، وربط استرداد النفقات برقابة فنية ومالية، عوامل يمكن أن تؤثر في العائد النهائي للعقود.
فالعقد الذي يؤدي إلى رفع الإنتاج بسرعة قد لا يحقق للدولة عائداً مالياً كبيراً في سنواته الأولى إذا استحوذت تكاليف التشغيل واسترداد النفقات على جزء واسع من الإيرادات.
مرحلة جديدة في قطاع النفط السوري
تضع التحركات الأخيرة قطاع النفط والغاز السوري أمام مرحلة تختلف عن مجرد البحث عن شركات قادرة على إصلاح الآبار أو زيادة إنتاج الحقول.
فوجود اهتمام من «توتال إنرجيز» و«كونوكو فيليبس» وشركات أميركية وإقليمية أخرى يفتح الباب أمام استثمارات جديدة، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة حول القواعد التي ستنظم دخول هذه الشركات وطبيعة الشروط التي ستمنح لها.
كما أن استعداد سوريا المعلن في آب/أغسطس لتقليص اعتمادها على النفط الروسي يضيف بعداً دولياً إلى إعادة ترتيب الشركاء في قطاع الطاقة.
وتبرز هنا أهمية توقيت العقود وشروطها. فالدولة التي تمنح امتيازات واسعة في مرحلة ترتفع فيها المخاطر وقدرتها على التمويل محدودة، قد تجد صعوبة في تعديل تلك الشروط لاحقاً إذا تحسنت الظروف وارتفعت قيمة الأصول.
في المقابل، يمكن لتنويع المستثمرين، والاعتماد على عقود قصيرة نسبياً، وإجراء مراجعات دورية للشروط، أن يمنح الدولة هامشاً أكبر لإدارة مواردها، بحسب الطروحات الواردة في المادة.
لذلك، قد تكون طبيعة الاتفاقات التي ستبرم خلال المرحلة المقبلة أكثر أهمية من عدد الشركات التي ستدخل السوق السورية. فإعادة تشغيل النفط والغاز تحتاج إلى رأس المال والتكنولوجيا، لكن الشروط التي تحصل بموجبها سوريا على هذين العنصرين ستحدد في النهاية حجم القيمة التي يمكن أن تبقى داخل الاقتصاد السوري بعد عودة الإنتاج.
اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز