سوق الفروج في سوريا.. أسعار تتأرجح بين كلفة الإنتاج وعجز الحكومة عن ضبط المعادلة

لم يعد ارتفاع سعر الفروج في الأسواق السورية مجرد انعكاس لمعادلة العرض والطلب، بل صار مرآة لقطاع أنهكته الخسائر وغياب الاستقرار. فبينما يدفع المستهلك سعراً يتجاوز قدرته الشرائية، يحاول المربي النجاة من كلفة أعلاف تلتهم معظم نفقات الإنتاج، فيما تراهن الحكومة السورية الانتقالية على تسعيرة تأشيرية قد تضبط السعر على الورق، لكنها لا تعالج أصل المشكلة.

وتراوحت أسعار كيلو الفروج في الأسواق بين 300 و320 ليرة، بينما وصلت شرحات الصدر إلى 800–900 ليرة، وسط تفاوت واضح بين منافذ البيع وحلقات الوساطة. وفي محاولة للحد من الفوارق، حددت الجهات المعنية سعراً تأشيرياً قدره 265 ألف ليرة للطن، وألزمت المربين وأصحاب المسالخ بتنظيم الفواتير منذ خروج المنتج من المدجنة حتى وصوله إلى السوق.

تسعيرة لا تكفي لإنقاذ المربين

يعزو رئيس لجنة الدواجن في غرف الزراعة نزار سعد الدين الارتفاع إلى موجة الحر التي أثرت في نمو الدواجن واستهلاكها للأعلاف، بالتزامن مع زيادة الطلب بفعل الموسم السياحي وعودة المغتربين والمهجرين.

لكن الخبير في قطاع الدواجن زياد نمور يضع إصبعه على جرح أعمق: القطاع فقد خلال السنوات الماضية عدداً كبيراً من مربيه نتيجة الخسائر، وأي سعر رسمي لا يراعي كلفة التربية وهامش الربح قد يدفع من تبقى منهم إلى الانسحاب مجدداً.

وتشكل الأعلاف نحو 70 بالمئة من كلفة الإنتاج، فيما يعتمد القطاع على الاستيراد لتأمين القسم الأكبر منها. وهذا يعني أن المربي لا يتحكم فعلياً في أبرز عناصر كلفته، بينما تبقى قرارات التجارة والاستيراد والدعم رهينة تغيّرات مفاجئة تزيد هشاشة السوق.

الحكومة تدير السعر بدل أن تعالج السوق

تكمن المشكلة في أن التدخل الحكومي غالباً ما يبدأ عند ارتفاع الأسعار، لا قبل حدوثه. فالقطاع يحتاج إلى سياسة تمتد من تأمين الأعلاف والصيصان والطاقة، إلى التخزين والتجميد والاستعداد لمواسم الطلب، لا إلى تسعيرة تُفرض بعد أن تبدأ الأزمة.

وكانت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير قد أوقفت استيراد فروج الريش والصيصان، بهدف حماية المنتج المحلي. غير أن حماية الإنتاج لا تتحقق بإغلاق باب الاستيراد وحده؛ فالمربي الذي لا يجد بيئة مستقرة وتكاليف قابلة للتحمل لن يعود إلى المدجنة مهما ارتفعت شعارات حماية المنتج الوطني.

ويقترح نمور الاستثمار في تجميد الفروج المحلي خلال فترات انخفاض الطلب، بحيث يُعاد طرحه في مواسم الذروة، إلى جانب خفض كلفة الأعلاف وتثبيت البيئة التشريعية والاستثمارية.

قطاع يدفع ثمن القرارات المتقلبة

المفارقة أن السوق قد يبدو مستقراً في أسبوع ومضطرباً في آخر، تبعاً للطلب ودورات التربية وقرارات الاستيراد، بينما يحتاج الإنتاج الحيواني إلى استقرار طويل الأمد.

وبذلك تبدو أزمة الفروج أوسع من سعر كيلوغرام في السوق: إنها أزمة قطاع تراجع مَربّوه، وارتفعت كلفته، وتعددت حلقات الوساطة فيه، بينما لا تزال السياسات الحكومية تتعامل مع النتائج أكثر مما تعالج الأسباب.

وإذا كانت الحكومة السورية الانتقالية تريد فعلاً حماية المنتج والمستهلك معاً، فإن المطلوب ليس تسعيرة جديدة عند كل موجة ارتفاع، بل سياسة واضحة تجعل تربية الفروج قابلة للاستمرار. وإلا سيبقى المستهلك يدفع فاتورة الفوضى، والمربي يدفع فاتورة الخسائر، فيما تبقى السوق السورية أسيرة معادلة مختلة لا تستقر إلا مؤقتاً.

 

اقرأ أيضاً: بعد شائعات الاستيراد التركي.. ما الذي ينتظر أسعار الفروج في سوريا؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.