الحلاقة في دمشق بين ارتفاع التكاليف وتراجع الزبائن.. مهنة عريقة تكافح للبقاء

تواجه مهنة الحلاقة في دمشق تحديات متزايدة بفعل الضغوط الاقتصادية التي انعكست على كل من أصحاب الصالونات والزبائن، إذ أدى ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القدرة الشرائية إلى انخفاض الإقبال على محال الحلاقة، في وقت يؤكد فيه العاملون في المهنة أن الحفاظ على استمرارية العمل أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

ويصف أبو ياسر، وهو حلاق رجالي في دمشق القديمة، واقع المهنة بالمثل الشعبي: “الحلاق الفاضي بيحلق للقطط”، في إشارة إلى الساعات الطويلة التي يبقى فيها كرسي الحلاقة خالياً من الزبائن، بعدما كانت المهنة توفر دخلاً مستقراً وتحظى بمكانة اجتماعية بارزة.

ويقول أبو ياسر إن الحلاقة مهنة توارثتها عائلته عبر أجيال، وكانت تشكل مصدر رزق ثابتاً، إلا أن الظروف الاقتصادية الحالية غيّرت هذا الواقع بشكل كبير، مضيفاً أن ارتفاع أسعار الكهرباء والمواد المستخدمة في العناية بالشعر واللحية والبشرة دفع كثيراً من الحلاقين إلى رفع أجورهم، الأمر الذي انعكس مباشرة على عدد الزبائن.

تكاليف التشغيل ترتفع باستمرار

ويشير أبو ياسر إلى أن معظم مستلزمات المهنة شهدت ارتفاعات متتالية في الأسعار، سواء الكريمات أو مواد التصفيف أو المعقمات أو شفرات الحلاقة، موضحاً أن شراء هذه المواد لم يعد يتم بالليرة السورية كما في السابق، بل أصبح مرتبطاً بالدولار وأسعاره المتقلبة.

ويضيف أن بعض المنتجات التي كان يشتريها سابقاً مقابل نحو 25 ألف ليرة سورية، أصبحت اليوم تسعّر بالدولار لدى تجار الجملة، بينما بقيت أجور الحلاقة شبه ثابتة، الأمر الذي يجعل أصحاب المحال غير قادرين على مجاراة تكاليف التشغيل المتزايدة.

ولا تقتصر المصاريف على المواد الاستهلاكية فقط، بحسب أبو ياسر، بل تشمل أيضاً فواتير الكهرباء وأجور النقل وإيجارات المحال، وهي تكاليف ارتفعت جميعها خلال الفترة الماضية، ما أدى إلى تقلص هامش الربح، بل وتحول بعض أيام العمل إلى خسائر مباشرة نتيجة ضعف الإقبال.

ويؤكد أن الكثير من الزبائن باتوا يؤجلون زيارة الحلاق لفترات أطول أو يكتفون بالخدمات الأساسية، بسبب الضغوط المعيشية التي يعيشونها.

محال تنتظر الزبائن

وفي منطقة صحنايا بريف دمشق، يروي الحلاق أمجد تجربة مشابهة، موضحاً أن محله قد يبقى أحياناً يومين متتاليين دون استقبال أي زبون، نتيجة تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

ويقول إن أصحاب الصالونات وجدوا أنفسهم أمام معادلة صعبة، تتمثل في الاختيار بين رفع أسعار الخدمات لمواكبة الارتفاع المستمر في النفقات، أو الإبقاء على الأسعار الحالية والعمل بخسارة.

ويضيف أن فواتير الكهرباء واشتراكات الأمبير، إلى جانب الإيجارات التي تجاوزت في بعض المناطق مليوني ليرة سورية شهرياً، أصبحت تشكل عبئاً كبيراً على العاملين في القطاع، الأمر الذي دفع بعض الحلاقين إلى تقليص عدد العاملين لديهم أو الاستغناء عن المساعدين لتخفيف المصاريف.

المواسم لم تعد كما كانت

ويؤكد أمجد أن المواسم التي كانت تشكل فرصة لتعويض خسائر بقية أشهر السنة لم تعد تحقق النتائج نفسها، موضحاً أن الأعياد وموسم الصيف والأعراس كانت تشهد سابقاً حركة نشطة في صالونات الحلاقة، إلا أن هذا النشاط تراجع بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة.

ويرجع ذلك إلى اتجاه كثير من الأسر نحو تقليص النفقات، إذ أصبح عدد متزايد من المواطنين يستخدم ماكينات الحلاقة المنزلية، بينما يكتفي آخرون بزيارة الحلاق مرة واحدة في الشهر بدلاً من الزيارات الأسبوعية أو المتكررة التي كانت شائعة في السابق.

المواطن يعيد ترتيب أولوياته

ولا يقتصر تأثير الأزمة على أصحاب الصالونات، بل يمتد إلى الزبائن أيضاً، إذ يقول سمير حمدان، وهو موظف، إن الظروف الاقتصادية دفعت كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، حتى أصبحت الحلاقة من المصاريف التي يمكن تأجيلها.

ويشير إلى أنه كان يزور الحلاق ثلاث مرات شهرياً، لكنه أصبح يكتفي بزيارة واحدة فقط، مؤكداً أن الحلاقة ما تزال حاجة أساسية، إلا أن تكلفتها أصبحت تشكل عبئاً إضافياً على ميزانية الأسرة.

مهنة ارتبطت بتاريخ دمشق

وتعد الحلاقة من أقدم المهن الحرفية في دمشق، إذ ارتبطت بالحياة اليومية والاجتماعية لسكان المدينة منذ قرون، ولم تكن محال الحلاقة تقتصر على تقديم خدمات قص الشعر أو تهذيب اللحية، بل كانت تشكل ملتقى لأبناء الأحياء لتبادل الأخبار ومناقشة شؤونهم اليومية.

كما ارتبطت المهنة في مراحل تاريخية سابقة بالحجامة وبعض أساليب الطب العربي التقليدي، واكتسب الحلاق مكانة اجتماعية مميزة داخل المجتمع الدمشقي.

ومن أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بهذه المهنة المؤرخ الدمشقي أحمد بن بدير، المعروف بلقب “البديري الحلاق”، الذي وثق تفاصيل الحياة اليومية في دمشق خلال القرن الثامن عشر، وترك سجلاً تاريخياً يعد من أهم المصادر التي تناولت المجتمع الدمشقي في تلك الفترة.

تطور الأدوات وزيادة الأعباء

ومع تطور الحياة، شهدت مهنة الحلاقة تغيرات كبيرة في طبيعة العمل، إذ تحولت الصالونات من محال بسيطة تعتمد على أدوات تقليدية ومقاعد خشبية إلى صالونات حديثة تضم أجهزة كهربائية ومعدات متطورة ومنتجات متنوعة للعناية بالشعر والبشرة.

كما أصبح كثير من الحلاقين يحرصون على متابعة أحدث صيحات الموضة وتقنيات الحلاقة عبر الدورات التدريبية ومنصات التواصل الاجتماعي، في محاولة لمواكبة تطور المهنة وجذب الزبائن.

إلا أن هذا التطور، بحسب أصحاب الصالونات، فرض أعباء مالية إضافية نتيجة الحاجة المستمرة لتحديث المعدات وشراء المنتجات الحديثة وصيانة الأجهزة.

تمسك بالمهنة رغم الصعوبات

ورغم التحديات الاقتصادية، يؤكد كثير من الحلاقين تمسكهم بممارسة المهنة، باعتبارها إرثاً عائلياً ومصدراً للعلاقات الاجتماعية التي نشأت عبر سنوات طويلة.

ويقول أبو ياسر إن محله استقبل على مدى عقود أجيالاً متعاقبة من أبناء الحي، مشيراً إلى أن الأطفال الذين كانوا يرافقون آباءهم إلى الصالون أصبحوا اليوم يأتون مع أبنائهم إلى المكان نفسه.

ويرى أن الحلاقة تتجاوز كونها وسيلة لكسب الرزق، فهي تمثل جزءاً من الذاكرة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية التي تميز المجتمع الدمشقي، معرباً عن أمله في تحسن الظروف الاقتصادية بما يسمح باستمرار المهنة واستعادة نشاطها.

وفي المقابل، يعتقد عدد من الحلاقين أن انتشار ماكينات الحلاقة المنزلية، إلى جانب المحتوى التعليمي المتخصص على منصات التواصل الاجتماعي، ساهم في تقليل الإقبال على الصالونات، إذ أصبح بعض الشبان يقصون شعرهم بأنفسهم لتوفير النفقات، بينما يحصر آخرون زيارة الحلاق بالمناسبات فقط.

وبين ارتفاع تكاليف التشغيل، وضعف القدرة الشرائية، وتغير أنماط الاستهلاك، يجد أصحاب محال الحلاقة أنفسهم أمام تحديات متزايدة للحفاظ على مصدر دخلهم، والاستمرار في مهنة ارتبطت بتاريخ دمشق وحياتها الاجتماعية لعقود طويلة.

اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.