حصاد الرقة.. موسم يوقظ الأسواق لكنه يعجز عن إنقاذ العمال من أزمة المعيشة

مع كل صيف، تنتظر محافظة الرقة موسم الحصاد بوصفه نافذة مؤقتة لكسر جمود البطالة، وفسحة أمل لآلاف العمال الذين يقصدون الحقول بحثًا عن لقمة عيش في محافظة أنهكتها سنوات الحرب والانهيارات الاقتصادية. لكن الموسم الذي كان يومًا عنوانًا للخير والوفرة، بات اليوم يحمل مفارقة قاسية؛ فالحقول تعمل، والآلات لا تتوقف، بينما يبقى مردود العمال أقل من أن يبدد ثقل الأزمة المعيشية.

فرص عمل موسمية وسط بطالة متفاقمة

يوفر موسم حصاد القمح والشعير في الرقة فرص عمل واسعة تمتد لنحو شهرين، تشمل العمل على الحصادات، ونقل الحبوب والتبن، وتعبئة الأكياس، والعمل في مراكز استلام القمح، إلى جانب الحصاد اليدوي.

يقول أحمد الموسى، وهو أحد العمال المشاركين في الحصاد باستخدام آلات “الفرّيرة” اليدوية، إن الموسم لا يزال يمثل فرصة لا يمكن تجاهلها لتحسين الدخل، خاصة في ظل غياب فرص العمل خلال بقية أشهر العام.

لكن وفرة الأيدي العاملة هذا العام، نتيجة ارتفاع معدلات البطالة وتوقف رواتب شريحة واسعة من العاملين السابقين في مؤسسات الإدارة الذاتية، أدت إلى زيادة المنافسة بين العمال وانخفاض أجورهم، رغم استمرار الحاجة إلى الأيدي العاملة خلال الموسم.

إنتاج ضعيف يبدد آمال العمال

رغم أن بداية الموسم حملت آمالًا بتحسن الوضع، إلا أن ضعف إنتاج الأراضي البعلية خفّض المكاسب المنتظرة. فمتوسط إنتاج الدونم الواحد من القمح لم يتجاوز 100 كيلوغرام، بينما بلغ إنتاج الشعير نحو 250 كيلوغرامًا.

ويؤكد خالد الصالح، وهو عامل في تعبئة القمح مع إحدى الحصادات، أنه يعمل منذ أكثر من عشرين يومًا، لكنه لم يتمكن من جمع 100 دولار، بسبب اعتماد أجور العمال على كمية المحصول المعبأ، ما جعل ضعف الإنتاج ينعكس مباشرة على دخلهم.

وبينما يتجمع العشرات يوميًا في “سوق الزلم” وسط مدينة الرقة أو قرب دوار الدلة بانتظار فرصة عمل، تتجلى صورة سوق عمل هشّ يعتمد على مواسم قصيرة لا تكفي لمعالجة أزمة البطالة المتصاعدة.

الحصاد يحرك الاقتصاد.. لكن المخاوف تلاحق المزارعين

اقتصاديًا، يبقى موسم الحصاد من أهم المحركات المؤقتة لأسواق الرقة، إذ يضخ سيولة نقدية تنشط حركة البيع والشراء، وتوفر دخلًا لشرائح واسعة تشمل العمال، والعتّالين، وسائقي الشاحنات والجرارات، وأصحاب المهن المرتبطة بالقطاع الزراعي.

إلا أن هذا النشاط يصطدم بتحديات متزايدة، أبرزها تقلبات سعر صرف الليرة السورية، وغياب آليات تسعير مستقرة، إضافة إلى تراكم الديون على كثير من المزارعين لصالح التجار والصيدليات الزراعية.

ويخشى كثير من العاملين في القطاع الزراعي أن تتحول عوائد الموسم إلى أموال تتآكل سريعًا بفعل تقلبات السوق، ما يهدد بتراجع الحافز على الاستمرار في الزراعة خلال السنوات المقبلة.

موسم الخير الذي فقد جزءًا من بريقه

لطالما كان موسم الحصاد في الرقة مناسبة اجتماعية واقتصادية تنتظرها العائلات، حيث تمتلئ الحقول بالحركة وتدور عجلة الأسواق مع تدفق الأموال الزراعية. إلا أن الواقع الحالي يكشف وجهًا مختلفًا؛ فالموسم الذي كان مصدرًا للفرح الجماعي أصبح مجرد استراحة قصيرة في مواجهة أزمة اقتصادية طويلة.

فبين سنابل القمح التي ما زالت تقاوم الجفاف، وعمّال يلاحقون أيام العمل القليلة، تبدو الرقة أمام معادلة مؤلمة: موسم ينعش الحياة مؤقتًا، لكنه لم يعد قادرًا وحده على انتشال سكانها من دوامة الفقر والبطالة التي تزداد عمقًا عامًا بعد آخر.

 

اقرأ أيضاً: شرق الفرات: استياء شعبي في دير الزور والرقة والحسكة وسط تعثر خطط الحكومة الانتقالية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.