الجنوب السوري تحت خرائط جديدة.. الاحتلال الإسرائيلي يفرض وقائع ميدانية ومفاوضات دمشق تفقد أوراقها
لم تعد التوغلات العسكرية في الجنوب السوري مجرد عمليات عابرة، بل تحولت تدريجيًا إلى واقع ميداني جديد تُرسم حدوده بالجرافات والسواتر الترابية ونقاط المراقبة، في مشهد يعكس تحولات عميقة في خارطة السيطرة على الأرض السورية وسط غياب أي قدرة فعلية على وقف هذا التمدد.
فمن القنيطرة إلى أطراف درعا وريف دمشق، تتوسع البصمة العسكرية لـ الاحتلال الإسرائيلي عبر قواعد محصنة وطرق جديدة ومناطق عازلة غير معلنة، بينما تقف قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “الأوندوف” شاهدة على تغيرات تعيد تشكيل الجنوب السوري خارج أي إطار تفاوضي أو اتفاق دولي واضح.
من التوغل المؤقت إلى تثبيت الاحتلال
تشير المعطيات الميدانية إلى انتقال الاحتلال من مرحلة العمليات الاستطلاعية والاختراقات المؤقتة إلى مرحلة أكثر رسوخًا تقوم على تثبيت وجود عسكري دائم داخل الأراضي السورية.
وبحسب تقديرات مبنية على صور الأقمار الصناعية، سيطرت قوات الاحتلال الإسرائيلي على نحو 235 كيلومترًا مربعًا داخل المنطقة العازلة، بالتوازي مع مئات نقاط التوغل التي امتدت في عمق الأراضي السورية، بعضها اقترب لمسافات غير مسبوقة من العاصمة دمشق.
ويرى مختصون في شؤون الجنوب السوري أن الخطر لم يعد مرتبطًا بالدوريات العسكرية المتحركة، بل بالبنية العسكرية الثابتة التي جرى إنشاؤها في مواقع استراتيجية، أبرزها قمم جبل الشيخ، والتلول الحمر، ومحيط القنيطرة، ومناطق أخرى تحولت إلى نقاط انطلاق للسيطرة والمراقبة العسكرية.
أراضٍ زراعية تتحول إلى مناطق عسكرية مغلقة
لم يقتصر تمدد الاحتلال الإسرائيلي على إنشاء قواعد ونقاط تفتيش، بل امتد إلى إعادة تشكيل المشهد الجغرافي للمنطقة.
فأعمال التجريف واقتلاع الأشجار وشق الطرق العسكرية وقطع المسارات المؤدية إلى الأراضي الزراعية، حولت مساحات واسعة من الجنوب السوري إلى مناطق أمنية مغلقة، وضيّقت على السكان والمزارعين الذين وجدوا أنفسهم أمام قيود جديدة على الحركة والعمل داخل أراضٍ ارتبطت لعقود بمصدر رزقهم.
وبات الاقتراب من بعض المناطق أو تصوير التحركات العسكرية محفوفًا بالمخاطر، في ظل إجراءات ميدانية تهدف إلى خلق خطوط تماس جديدة تختلف عمليًا عن حدود اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974.
مفاوضات تحت ضغط الأمر الواقع
في الوقت الذي تتحدث فيه أطراف دولية عن إمكانية إحياء المسار التفاوضي بين دمشق والاحتلال الإسرائيلي بوساطات دولية، تبدو الوقائع الميدانية أكثر تأثيرًا من أي طاولة حوار محتملة.
فالاحتلال الإسرائيلي يدخل أي مسار سياسي مستقبلي وهو يمتلك شبكة من القواعد والنقاط العسكرية التي تحولت إلى أوراق ضغط استراتيجية، بينما تجد دمشق نفسها أمام معادلة معقدة بين المطالبة بالعودة إلى اتفاق فض الاشتباك، وبين واقع جديد فرضته القوة العسكرية على الأرض.
ويرى مراقبون أن استمرار التوسع دون ردع فعلي يقلل من فرص الوصول إلى تفاهمات متوازنة، ويحوّل أي مفاوضات مستقبلية إلى محاولة لإدارة نتائج فرض الأمر الواقع أكثر من كونها وسيلة لإلغائه.
مئات الانتهاكات وواقع يتغير بصمت
تكشف الإحصائيات الميدانية حجم التحول المتسارع في الجنوب السوري، إذ وثقت جهات رصد أكثر من 200 انتهاك خلال شهر أيار الماضي، شملت عشرات عمليات التوغل والاعتقال والمداهمات، إلى جانب تحليق الطيران الحربي والطائرات المسيّرة وإقامة نقاط تفتيش جديدة.
وبين خطوط الفصل القديمة والجغرافيا الجديدة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، يقف سكان الجنوب السوري أمام واقع يتغير يومًا بعد آخر، حيث تتراجع الأراضي الزراعية وتتآكل مساحة الأمان، بينما يبقى مستقبل المنطقة معلقًا بين مفاوضات لم تبدأ بعد، ووقائع تُفرض على الأرض كل يوم.
اقرأ أيضاً: حوض اليرموك تحت الحصار.. التوغلات الإسرائيلية تخنق الزراعة وتسرق مراعي الجنوب السوري