معرشورين الصناعية.. معامل تعود من الركام وتصطدم بجدار الكهرباء والخذلان الحكومي

في معرشورين بريف إدلب، لا تبدو عودة الصناعة مجرد تشغيل آلات متوقفة، بل محاولة شاقة لاستعادة حياة اقتصادية انقطعت لسنوات. البلدة التي كانت تُعرف بأنها واحدة من مراكز النشاط الصناعي في منطقة معرة النعمان، تحولت خلال سنوات الحرب إلى مساحة صامتة بعد أن أُغلقت معامل السجاد والحصر البلاستيكية والليف والسيف، وغادر أصحابها وعمّالها تحت وطأة القصف والنزوح.

اليوم، وبعد التحرير، عاد بعض الصناعيين إلى البلدة وهم يحملون رغبة واضحة في إعادة الإنتاج، لكنهم وجدوا أن الركام لم يكن في الأبنية فقط، بل في منظومة الخدمات التي يفترض أن تسند عودة الاقتصاد. فالمعامل التي نجت من القصف تواجه معركة جديدة عنوانها غياب الكهرباء، وارتفاع تكاليف الطاقة، وصعوبة تأمين المواد الأولية، في ظل غياب دعم حكومي قادر على تحويل العودة من مبادرات فردية إلى مشروع تعافٍ حقيقي.

الصناعة تعود بنصف طاقتها

يقول أصحاب المعامل إنهم عادوا إلى مواقعهم بأمل إعادة تشغيل خطوط الإنتاج، لكنهم اصطدموا بواقع أكثر قسوة من المتوقع. عبد الكريم قسوم، صاحب معمل لصناعة الحصر، يوضح أن منشأته القديمة تعرضت للتوقف الكامل خلال سنوات النزوح، قبل أن يبدأ بعد عودته بترميم المعمل وإطلاق العمل مجدداً وسط غياب أبسط مقومات التشغيل.

ويشير إلى أن الاعتماد على المولدات الخاصة أصبح عبئاً دائماً، إذ تستهلك كميات كبيرة من المازوت وتتطلب صيانة متكررة، ما أدى إلى تقليص ساعات العمل وخفض عدد العمال. فالمعمل الذي كان قادراً على تشغيل نحو 20 عاملاً، لم يعد يحتفظ سوى بنصف هذا العدد بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل.

ولا يختلف المشهد في معامل أخرى. حذيفة الحافظ، صاحب معمل للحصير البلاستيكي يضم 16 ماكينة نسيج، يقول إن الإنتاج عاد بطاقة محدودة، بعدما كان جزء كبير من منتجاته يُصدّر إلى العراق وتركيا ودول المغرب العربي قبل الحرب. أما اليوم، فالتصدير شبه متوقف، والسوق المحلية وحدها لا تكفي لاستعادة النشاط السابق.

الكهرباء.. العقدة التي تخنق التعافي

تجمع شهادات الصناعيين على أن الكهرباء ليست خدمة مفقودة فقط، بل العائق الأكبر أمام عودة الصناعة. فغياب مصدر طاقة مستقر دفع أصحاب المعامل إلى شراء الوقود بأسعار مرتفعة، ما انعكس على تكلفة المنتج النهائي وأضعف قدرته على المنافسة.

ويؤكد سامي يوسف الياسين، أحد أصحاب المعامل في البلدة، أن تشغيل المعمل بالمازوت لم يعد مجدياً اقتصادياً، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المواد الأولية. ويشير إلى أن معرشورين كانت تضم نحو 150 معملاً وورشة قبل الحرب، بينما لم يبقَ اليوم سوى عدد محدود يعمل بشكل متقطع بسبب أزمة الطاقة.

ويرى أصحاب المعامل أن توفير الكهرباء أو دعم حلول الطاقة البديلة، ولا سيما الطاقة الشمسية، قد يكون الخطوة الأولى لإنقاذ ما تبقى من القطاع الصناعي، مؤكدين أنهم لا يطالبون بالمساعدات المجانية، بل بظروف تسمح لهم بالعمل والإنتاج.

عودة بلا خطة اقتصادية واضحة

يرى الباحث الاقتصادي حامد سيف الدين أن إعادة تشغيل المعامل تمثل عاملاً أساسياً في خفض البطالة وتحريك الاقتصاد المحلي، موضحاً أن المنشأة الصناعية لا توفر وظائف مباشرة فقط، بل تنشط قطاعات النقل والتسويق والصيانة وتوريد المواد الأولية.

لكنه يشير إلى أن عودة الصناعة في المناطق الخارجة من الحرب تواجه سلسلة من العقبات، تبدأ بتضرر البنية التحتية، ولا تنتهي عند نقص التمويل وصعوبة التسويق وارتفاع تكاليف الإنتاج.

ويؤكد أن إنقاذ القطاع الصناعي يحتاج إلى خطة متكاملة تشمل تأمين الكهرباء بأسعار مناسبة، وتقديم قروض ميسرة لإعادة التأهيل، ودعم شراء الآلات، وتسهيل التصدير، إلا أن غياب هذه الإجراءات حتى الآن يجعل كثيراً من الصناعيين عالقين بين رغبة العودة وعجز الواقع.

حكومة انتقالية أمام اختبار إعادة الإنتاج

تؤكد مديرية صناعة إدلب أن معرشورين بدأت تستعيد جزءاً محدوداً من نشاطها الصناعي، وأن نحو عشر منشآت تعمل حالياً، فيما تستعد منشآت أخرى للعودة تدريجياً. لكن هذا التعافي ما يزال هشاً، يعتمد على قدرة أصحاب المعامل الفردية أكثر مما يعتمد على سياسة اقتصادية واضحة.

فعودة الصناعي إلى معمله بعد سنوات النزوح لا تعني بالضرورة عودة الصناعة. فالآلة تحتاج إلى كهرباء، والعامل يحتاج إلى استقرار، والمنتج يحتاج إلى سوق، وهذه حلقات لا يمكن للصناعي وحده أن يؤمنها.

أمام الحكومة السورية الانتقالية فرصة لإعادة بناء العلاقة مع القطاع الصناعي في المناطق المتضررة، لكن استمرار التعامل مع ملف التعافي بمنطق الإجراءات الجزئية سيبقي المعامل تدور في حلقة الانتظار.

في معرشورين، لم تعد المشكلة في إعادة فتح أبواب المعامل، بل في ضمان بقائها مفتوحة. فالصناعة التي نجت من القصف قد لا تصمد طويلاً أمام غياب الطاقة وارتفاع التكاليف، ما لم تتحول وعود التعافي إلى سياسات فعلية تعيد للاقتصاد المحلي قدرته على الوقوف من جديد.

 

اقرأ أيضاً: أزمة الورش الصناعية داخل أحياء حلب السكنية.. سكان يطالبون بالترحيل وأصحاب مهن يشتكون غياب البدائل

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.