الساحل السوري يغرق في مياه الصرف الصحي.. مشاريع المعالجة المؤجلة تهدد البحر والسياحة والثروة السمكية
على الساحل السوري، حيث يفترض أن يكون البحر واجهة للحياة والسياحة ومصدراً للرزق، تتحول المياه العادمة يومياً إلى شاهد جديد على عجز البنية الخدمية عن مواكبة احتياجات المدن. فشواطئ اللاذقية وطرطوس تستقبل منذ سنوات كميات من مياه الصرف الصحي غير المعالجة، في مشهد يكشف مفارقة واضحة: شبكات صرف واسعة أُنجزت، لكن الحلقة الأهم بقيت غائبة؛ محطات المعالجة التي يفترض أن تمنع وصول التلوث إلى البحر.
المشكلة لا تتعلق بغياب الشبكات فقط، بل بمنظومة لم تكتمل. فالمياه التي تُجمع من الأحياء السكنية والمناطق السياحية تنتهي في المصبات البحرية أو المجاري المائية، حاملة معها آثاراً بيئية وصحية تتراكم بصمت، فيما تبقى المشاريع المرتبطة بالمعالجة عالقة بين نقص التمويل، وتعثر التنفيذ، وغياب الحلول السريعة.
بحر بلا حماية.. وروائح تلاحق السكان
في طرطوس، لم تستطع أعمال تجميل الكورنيش البحري تغيير حقيقة المشهد البيئي خلف الواجهة. فالمصبات المستمرة لمياه الصرف الصحي تلقي بظلالها على الحياة اليومية للسكان، خصوصاً خلال فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة وانتشار الروائح والحشرات.
ويقول سكان مناطق قريبة من الشاطئ إن المشكلة تجاوزت حدود التلوث البحري لتصبح جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية. ففي جزيرة أرواد، يشير الأهالي إلى أن استمرار تصريف المياه العادمة يحرم المنطقة من استثمار كامل مقوماتها السياحية، فيما يشتكي سكان أحياء أخرى من أثر مجاري الصرف المكشوفة، ومنها نهر الغمقة الذي تحول إلى مصدر دائم للروائح ومخاوف الصحة العامة.
وفي المناطق السياحية خارج المدن، يبدو المشهد أكثر هشاشة. ففي بصيرة بريف طرطوس، تعتمد الأبنية والمجمعات الاصطيافية على الجور الفنية، التي لم تعد قادرة على استيعاب التوسع السكاني والنشاط السياحي. ومع امتلائها، تتسرب المياه العادمة إلى الشوارع والمناطق المحيطة، قبل أن تجد طريقها نحو البحر.
شبكات بلا معالجة.. ومشاريع عالقة منذ سنوات
رغم أن اللاذقية تُعد من أكثر المدن الساحلية تغطية بشبكات الصرف الصحي، فإن غياب محطة المعالجة الرئيسية أبقى المشكلة قائمة. فالمشروع الذي صُمم ليشكل منظومة متكاملة تبدأ من شبكات التجميع وتنتهي بمعالجة المياه قبل طرحها، تعثر قبل الوصول إلى مرحلته النهائية.
وتوضح المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في اللاذقية أن أجزاء كبيرة من المشروع أُنجزت، إلا أن محطات الضخ والرفع ومحطة المعالجة الرئيسية لم تكتمل، ما أبقى المصبات القديمة قيد الاستخدام.
وتعزو المؤسسة أسباب التعثر إلى صعوبات مالية وفنية، وقدم الدراسات، وعدم التزام بعض الجهات المنفذة سابقاً، إضافة إلى التغييرات الإدارية التي أعقبت التحرير ومحدودية التمويل.
لكن بالنسبة للسكان، لا تغير هذه الأسباب من حقيقة واحدة: سنوات طويلة مرت، وما زال البحر يدفع ثمن تأخر مشروع يفترض أنه من أساسيات حماية الساحل.
تلوث يهدد الثروة البحرية
لا يقتصر أثر مياه الصرف الصحي غير المعالجة على تشويه المشهد الساحلي، بل يمتد إلى النظام البيئي البحري بأكمله. فالخبيرة البيئية أميرة عباس تحذر من أن هذه المياه تحمل ملوثات جرثومية وكيميائية ومواد عضوية تؤثر في الكائنات البحرية، وقد تنتقل عبر السلسلة الغذائية إلى الإنسان.
كما تشير إلى أن الصرف الزراعي المحمل بالأسمدة والمبيدات يزيد الضغط على البيئة البحرية، وأن انتقال الملوثات بفعل التيارات البحرية قد يجعل تأثيرها يتجاوز موقع المصب نفسه.
وترى أن الحل لا يكمن في معالجة الأضرار بعد وقوعها، بل في منع وصول مصادر التلوث إلى البحر عبر استكمال محطات المعالجة، وتطوير أنظمة الرقابة والرصد البيئي.
الحكومة الانتقالية أمام اختبار إنقاذ الساحل
تكشف أزمة الصرف الصحي على الساحل السوري خللاً أعمق من مجرد مشروع خدمي متعثر؛ إنها نموذج لطريقة إدارة الملفات الحيوية التي بقيت لسنوات رهينة التأجيل والمعالجات الجزئية.
فإنشاء شبكات الصرف الصحي دون تشغيل محطات المعالجة يشبه بناء طريق ينتهي عند حافة الهاوية. وبينما تتحدث الجهات الحكومية عن متابعة المشاريع واستكمالها، يبقى المواطن والساحل والاقتصاد السياحي يدفعون تكلفة التأخير.
أمام الحكومة السورية الانتقالية مهمة تتجاوز استكمال مشروع هنا أو إصلاح محطة هناك؛ المطلوب إعادة تعريف الأولويات الخدمية، ووضع ملف حماية الساحل ضمن مشاريع التعافي الأساسية، لأن البحر الذي يشكل أحد أهم موارد سوريا الطبيعية لا يمكن أن يبقى مكباً مفتوحاً لمياه الصرف.
فالساحل لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى محطات تعمل، وشبكات مكتملة، وإدارة قادرة على حماية ما تبقى من ثرواته قبل أن يتحول التلوث إلى أزمة يصعب عكس آثارها.
اقرأ أيضاً: فوضى السلاح والخدمات تهدد السياحة في الساحل السوري