“لوموند” الفرنسية: إصلاحات الاقتصاد السوري.. بين التعافي والفقر
تواجه الحكومة السورية برئاسة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع تحديًا اقتصاديًا كبيرًا بعد أشهر من التغيير السياسي في البلاد، يتمثل في إعادة بناء اقتصاد تضرر بشدة جراء سنوات الحرب والعقوبات والتراجع المالي، في وقت تسعى فيه إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تقليص دور الدولة وتعزيز اقتصاد السوق.
وبينما ترى الحكومة أن هذه الإجراءات ضرورية لإعادة تنشيط الاقتصاد وجذب الاستثمارات، تثير وتيرة تطبيقها مخاوف خبراء اقتصاديين من انعكاساتها على الأوضاع المعيشية، في ظل استمرار ارتفاع معدلات الفقر وضعف القدرة الشرائية.
وفي تقرير نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية، أشار عدد من الخبراء إلى أن الإصلاحات الاقتصادية تسير بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد السوري والمجتمع على التكيف معها، معتبرين أن غياب رؤية اقتصادية متكاملة قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على المواطنين بدلاً من تسريع التعافي.
الحكومة تتجه إلى تقليص الدعم
تستند السياسة الاقتصادية الحالية، بحسب التقرير، إلى قناعة بأن منظومة الدعم التي استمرت لعقود أصبحت تشكل عبئًا كبيرًا على المالية العامة، خصوصًا في ظل محدودية الموارد وارتفاع تكاليف إعادة الإعمار.
وانطلاقًا من ذلك، بدأت الحكومة باتخاذ خطوات لتقليص الدعم المقدم للمحروقات والكهرباء وعدد من السلع الأساسية، ضمن توجه يهدف إلى تحرير الأسعار، والحد من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، مع منح القطاع الخاص دورًا أكبر في قيادة مرحلة التعافي الاقتصادي.
وتعتبر الحكومة أن هذه السياسات تمثل جزءًا من عملية إصلاح اقتصادي طويلة الأمد، من شأنها تحسين كفاءة الإنفاق العام وتوفير بيئة أكثر جذبًا للاستثمار.
انعكاسات مباشرة على الأسواق
إلا أن التقرير يشير إلى أن هذه الإجراءات تركت آثارًا سريعة على الحياة اليومية للسوريين، إذ ارتفعت أسعار الوقود والنقل والسلع الغذائية بصورة ملحوظة، في حين لم تشهد الأجور تحسنًا يتناسب مع تلك الزيادات.
وأدى هذا التفاوت، وفق التقرير، إلى زيادة الضغوط على الأسر السورية التي تواجه أصلًا تراجعًا مستمرًا في القدرة الشرائية، الأمر الذي انعكس على مستوى الإنفاق والمعيشة، خاصة بالنسبة لذوي الدخل المحدود.
اقتصاد السوق يحتاج إلى بيئة مؤسسية
ورغم أن التقرير لا ينتقد مبدأ التحول إلى اقتصاد السوق، فإنه يرى أن نجاح هذا التحول يتطلب وجود مؤسسات قادرة على تنظيمه وإدارته.
وأوضح أن تطبيق اقتصاد السوق يحتاج إلى نظام مصرفي قادر على تمويل النشاط الاقتصادي، وقضاء مستقل يضمن حقوق المستثمرين، وهيئات رقابية تنظم المنافسة وتحد من الاحتكار، إضافة إلى شبكات حماية اجتماعية تساعد الفئات الأكثر تضررًا من آثار الإصلاحات الاقتصادية.
وأشار التقرير إلى أن العديد من هذه المقومات لا تزال غير مكتملة في سوريا، ما يجعل عملية الانتقال الاقتصادي أكثر تعقيدًا.
ونقل التقرير عن أحد الخبراء وصفه للمرحلة الحالية بأنها “ليست استراتيجية اقتصادية واضحة، بل حالة من الفوضى”، في إشارة إلى غياب إطار شامل لإدارة عملية التحول الاقتصادي.
الاستثمار ينتظر وضوح الرؤية
وبحسب “لوموند”، تراهن الحكومة السورية على مساهمة القطاع الخاص ورجال الأعمال السوريين، سواء داخل البلاد أو خارجها، في تحريك عجلة الاقتصاد والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار.
لكن التقرير يرى أن حجم الاستثمارات لا يزال دون المستوى المأمول، إذ يفضل المستثمرون انتظار مزيد من الاستقرار القانوني والمالي، إلى جانب وضوح السياسات الاقتصادية، فضلاً عن تطورات ملف العقوبات الغربية، قبل اتخاذ قرارات استثمارية واسعة في السوق السورية.
ويعتبر مراقبون أن تحسين بيئة الأعمال وتوفير ضمانات قانونية للمستثمرين سيكونان من أبرز العوامل التي تحدد قدرة الاقتصاد السوري على استقطاب رؤوس الأموال خلال المرحلة المقبلة.
الضغوط المعيشية مستمرة
وفي المقابل، يلفت التقرير إلى استمرار تدهور الأوضاع المعيشية لشريحة واسعة من السوريين، حيث تعتمد أعداد كبيرة من الأسر على تحويلات الأقارب المقيمين في الخارج أو على المساعدات الإنسانية لتغطية احتياجاتها الأساسية.
كما يشير إلى أن مستويات الرواتب الحالية لم تعد تكفي سوى لتغطية جزء محدود من تكاليف المعيشة، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.
ويرى اقتصاديون، وفق التقرير، أن المضي في رفع الدعم دون توفير برامج حماية اجتماعية فعالة قد يؤدي إلى اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى، وهو ما قد ينعكس على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى بيئة أكثر قدرة على دعم التعافي.
تحدي تحقيق التوازن
ويخلص تقرير “لوموند” إلى أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية في سوريا لن يقاس فقط بقدرتها على تقليص الإنفاق العام أو تحرير الأسواق، وإنما أيضًا بمدى نجاح الحكومة في تحقيق توازن بين الإصلاحات المالية ومتطلبات الحماية الاجتماعية.
ويشير التقرير إلى أن المرحلة المقبلة ستشكل اختبارًا لقدرة الحكومة على تنفيذ سياسات اقتصادية تحقق النمو والاستثمار، مع الحد من انعكاساتها على الفئات الأكثر تأثرًا بالأزمة المعيشية، بما يسهم في دعم الاستقرار خلال مرحلة إعادة بناء الاقتصاد السوري.
اقرأ أيضاً:الشرع يبحث مع وزير الاقتصاد اللبناني توسيع التعاون الاقتصادي