ألمانيا تدفع نحو عودة اللاجئين السوريين بمكافآت مالية.. هل تستعد سوريا لاستقبال ملايين الغائبين؟

لم تعد قضية اللاجئين السوريين في ألمانيا تُناقش فقط باعتبارها ملفًا إنسانيًا أو قانونيًا، بل بدأت تتحول تدريجيًا إلى ورقة سياسية واقتصادية مرتبطة بمستقبل سوريا نفسها. فمع تراجع أعداد جديدة من الوافدين وتصاعد الضغوط الداخلية في أوروبا، تتجه بعض الأصوات الألمانية إلى إعادة طرح ملف العودة، لكن هذه المرة عبر مزيج من الحوافز المالية وخيارات الترحيل.

وفي هذا السياق، دعا وزير داخلية ولاية هيسن الألمانية، رومان بوزيك، إلى تسريع عودة السوريين إلى بلادهم، مقترحًا تقديم مكافآت مالية تصل إلى 10 آلاف يورو للراغبين بالعودة الطوعية، إلى جانب توسيع عمليات الترحيل إلى سوريا، في خطوة تعكس انتقال النقاش الألماني من إدارة ملف اللجوء إلى البحث عن آليات لإنهائه.

وقال بوزيك، المنتمي إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، إن ألمانيا يجب أن تصل على المدى الطويل إلى تنظيم رحلات ترحيل شهرية إلى سوريا، على غرار الخطط المتعلقة بترحيل لاجئين إلى أفغانستان، مشيرًا إلى أن بلاده بدأت بالفعل تنفيذ عمليات ترحيل محدودة بحق سوريين مدانين بجرائم.

ويرى الوزير الألماني أن التعامل مع السوريين المقيمين في ألمانيا يجب أن يكون قائمًا على التمييز بين الفئات، إذ دعا إلى استمرار بقاء الأشخاص الذين اندمجوا في المجتمع الألماني، خصوصًا العاملين في القطاعات الحيوية مثل الطب والتمريض، بينما طالب بتسريع مغادرة من وصفهم بالمجرمين أو الأشخاص الذين يشكلون تهديدًا أمنيًا.

لكن الطرح الألماني يتجاوز البعد الأمني، إذ ربط بوزيك عودة السوريين بالضغوط التي تواجهها أنظمة الرعاية الاجتماعية في ألمانيا، معتبرًا أن بعض السوريين الذين لا يملكون إقامة دائمة ويعتمدون على المساعدات قد يصبحون ضمن الفئات المستهدفة بالعودة مستقبلًا.

وفي المقابل، تبدو العودة إلى سوريا محكومة بعوامل أكثر تعقيدًا من مجرد تقديم حوافز مالية. فبينما تتحدث برلين عن إمكانية دعم العائدين بمبالغ تساعدهم على بدء حياة جديدة أو المساهمة في إعادة الإعمار، ما تزال سوريا تواجه واقعًا اقتصاديًا وخدميًا هشًا، في ظل محدودية فرص العمل، وتراجع البنية التحتية، وضعف قدرة الحكومة السورية الانتقالية على توفير بيئة مستقرة قادرة على استيعاب ملايين العائدين.

وتشكل أوضاع الاقتصاد السوري التحدي الأكبر أمام أي موجة عودة واسعة، إذ لا تزال البلاد تعاني من ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الإنتاج، وتدهور الخدمات الأساسية، فيما لم تتمكن الحكومة الانتقالية حتى الآن من تقديم نموذج اقتصادي أو مؤسساتي واضح يطمئن السوريين في الخارج إلى إمكانية بناء حياة مستقرة داخل البلاد.

وكانت ألمانيا قد نفذت منذ نهاية عام 2025 أول عمليات ترحيل إلى سوريا منذ عام 2011، شملت لاجئين مدانين بجرائم، قبل أن تتوسع النقاشات السياسية حول إمكانية اعتماد سياسة أكثر انتظامًا في هذا الملف.

ويرى مراقبون أن عرض مكافآت مالية للعودة قد يشكل حافزًا لبعض السوريين الذين يملكون ظروفًا مناسبة للرجوع، لكنه لن يكون كافيًا لتغيير قرار ملايين اللاجئين الذين ترتبط عودتهم بعوامل أعمق، أبرزها الأمن والاستقرار الاقتصادي والخدمات وفرص العمل.

وبين رغبة أوروبية متزايدة في إغلاق ملف اللجوء، وحاجة سوريا إلى استعادة ملايين أبنائها للمساهمة في إعادة البناء، يبقى السؤال الأصعب: هل ستكون العودة المقبلة نتيجة تحسن الظروف داخل سوريا، أم نتيجة تراجع قدرة الدول المضيفة على استمرار استقبال اللاجئين؟ ففي ظل غياب تحول حقيقي في الواقع السوري، قد تتحول العودة من خيار طوعي إلى معادلة ضاغطة يدفع ثمنها السوريون في الداخل والخارج.

 

اقرأ أيضاً: ألمانيا تصعّد إجراءات سحب “وضع الحماية” من اللاجئين السوريين

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.