بين أزمة المعيشة وضوابط المهنة: الصيدليات في اللاذقية تتحول إلى “عيادات بديلة”
باتت الصيدليات في محافظة اللاذقية، لاسيما في المناطق الريفية، الوجهة الأولى والبديل الأسرع لكثير من المواطنين للحصول على الاستشارات العلاجية والأدوية. ويأتي هذا التحول مدفوعاً بالظروف المعيشية الصعبة وارتفاع أجور المعاينات الطبية، مما خلق جدلاً واسعاً بين مَن يرى هذا السلوك ضرورة فرضها الواقع المعيشي، وبين مَن يحذر من مخاطره الصحية ويطالب بضبط الأسواق والأسعار.
دوافع المواطنين: لماذا بات الصيدلي بديل الطبيب باللاذقية؟
يرجع لجوء شريحة واسعة من الأهالي إلى الصيدليات كوجهة علاجية أولى إلى عدة عوامل فرضتها الظروف الراهنة:
-
ارتفاع تكاليف المعاينات الطبية: عجزت الكثير من الأسر عن تحمل أجور الأطباء المتزايدة، مما جعل الاستشارة المجانية في الصيدلية ملاذاً وحيداً.
-
صعوبة الوصول الجغرافي: يعاني القاطنون في الأرياف من صعوبة وتكلفة المواصلات للوصول إلى العيادات التخصصية في مراكز المدن، مما يجعل الصيدلي المحلي الخيار الأقرب.
-
الخبرة التراكمية والأدوية الشائعة: تعتمد الكثير من الأمهات على علاجات أولية مكررة لحالات بسيطة (مثل الرشح، الحساسية، المغص، أو ارتفاع الحرارة) دون الرجوع للطبيب في كل مرة.
مطالبات خدمية:
يرى شق واسع من أهالي ريف اللاذقية أن ضبط الحالة لا يمر عبر تضييق الخناق على الصيدليات، بل يتطلب تفعيل النقاط الطبية والمراكز الصحية العامة وتزويدها بالأدوية المجانية لتخفيف العبء عن كاهل ذوي الدخل المحدود.
الرأي المعارض: مخاوف من الأخطاء الطبية وفوضى المتدربين
على الجانب الآخر، يبدي الكثير من المواطنين قلقهم من تحول الصيدلية إلى عيادة تشخيصية، مستندين إلى عدة نقاط:
-
مخاطر التشخيص الذاتي: قد يؤدي تناول أدوية دون تشخيص طبي دقيق إلى تفاقم الحالات المرضية أو حدوث تداخلات دوائية خطيرة.
-
ظاهرة المتدربين غير المختصين: يعتمد بعض الصيدليات على أشخاص غير مؤهلين علمياً لصرف الأدوية، مما يرفع احتمالية حدوث أخطاء دوائية كارثية.
-
إساءة استخدام الأدوية النفسية: على الرغم من القيود، تسجل بعض التجاوزات في بيع المهدئات والمؤثرات العقلية دون وصفات نظامية سعياً وراء الربح.
مقارنة واقع العمل الصيدلاني: بين القوانين والمرونة والتجاوزات
يتحرك الصيادلة في اللاذقية ضمن هوامش تفرضها طبيعة المنطقة ونوع الدواء المطلق:
| نوع الحالة / الدواء | السلوك الصيدلاني الشائع | الموقف القانوني والرقابي |
| الأدوية البسيطة (مسكنات، رشح) | مرونة عالية في الصرف لمساعدة الحالات الشائعة وتخفيف عبء المعاينة. | ممنوع رسمياً ويخالف التعاليم الوزارية الصارمة. |
| الأدوية النفسية والمهدئات | التزام شديد لدى الأغلبية، مع وجود تجاوزات محدودة لبعض الصيدليات المخالفة. | رقابة صارمة جداً، والمخالفة تعرض الصيدلية للتشميع المباشر. |
| تسعير الدواء | تفاوت طفيف يرتبط بهامش الربح المعتمد لكل صيدلية (بين 15% و25%). | الأسعار محددة مركزياً من وزارة الصحة، وأي تلاعب شخصي بالأسعار يُعرض صاحبه للعقوبة. |
الرقابة الدوائية باللاذقية: عقوبات مشددة تصل حد “التشميع”
في هذا السياق، أكدت مسؤولة الرقابة الدوائية في مديرية صحة اللاذقية، الدكتورة عفراء ماوردي، على عدد من النقاط والضوابط القانونية المتبعة:
-
منع الصرف بدون وصفة: شددت على أن تقديم الأدوية دون وصفة طبية بذريعة عدم قدرة المريض المادية هو سلوك منافٍ للتعليمات الوزارية، لافتة إلى إمكانية مراجعة المواطنين للمراكز الصحية العامة للحصول على الفحص والوصفة الطبية مجاناً.
-
تشديد الرقابة على المستودعات: أوضحت ماوردي أن فرض بعض مستودعات الأدوية شروط “تحميل” أدوية راكدة وبطيئة التصريف على الصيادلة يُعد مخالفة صريحة تواجَه بعقوبات تبدأ بالغرامات المالية وتصل إلى تشميع المستودع.
-
الجولات التفتيشية والعقوبات: تجري دائرة الرقابة الدوائية جولات دورية ومفاجئة تشمل صيدليات المدينة والريف للتأكد من تواجد الصيدلي المرخص، وضبط الأدوية غير النظامية، وتدقيق سجلات الأدوية النفسية.
العقوبات المسجلة تشمل: الإحالة إلى مجلس تأديبي يترأسه قاضٍ، فرض غرامات مالية مجزية، مصادرة الأدوية المهربة والمخالفة، وتشميع الصيدليات المخالفة للأنظمة.
توازن مفقود يبحث عن حل
يبقى ملف الصيدليات في اللاذقية مرآة تعكس التداخل الحاد بين الواقع الاقتصادي الضاغط على المواطن وضوابط حماية الصحة العامة. ولحل هذا التشابك، تصبح الحاجة ملحة للتوسع في تخديم الوحدات الصحية الريفية ودعمها بالكوادر والأدوية الأساسية، بالتوازي مع تفعيل الرقابة المسؤولة التي تضمن سلامة المرضى دون حرمانهم من ملاذهم العلاجي السريع.
إقرأ أيضاً: غياب الأطباء في سوريا يحوّل الصيدليات إلى “عيادات بديلة”
إقرأ أيضاً: مرضى السرطان بلا جرعات مجانية منذ عام ونصف