العدالة الانتقالية في سوريا.. غرف قضائية جديدة وأسئلة معلّقة حول قدرة القضاء على إنصاف الضحايا

بينما تحاول الحكومة السورية الانتقالية إظهار تقدم في ملف العدالة الانتقالية عبر تخصيص غرف قضائية للنظر في الجرائم المرتبطة بالنظام السابق، تبدو الطريق إلى العدالة أكثر تعقيداً من مجرد إعادة تنظيم قاعات المحاكم. فسنوات الانتهاكات الواسعة خلّفت آلاف الملفات، في وقت لا يزال فيه القضاء يواجه نقصاً في الكوادر، وفراغاً تشريعياً، وتحديات قد تجعل الوصول إلى الحقيقة مساراً طويلاً لا تحسمه القرارات الإدارية وحدها.

غرف متخصصة… لكن الاختبار الحقيقي لم يبدأ

باشرت وزارة العدل اعتماد مسار قضائي خاص بقضايا العدالة الانتقالية، يبدأ من النيابة العامة مروراً بقاضي التحقيق وقاضي الإحالة وصولاً إلى محكمة الجنايات المختصة، بهدف تسريع النظر في الجرائم المرتبطة بحقبة النظام السابق.

ورغم أهمية الخطوة تنظيمياً، يرى قانونيون أن نجاحها سيبقى رهناً بقدرة المؤسسة القضائية على استيعاب الكم الهائل من القضايا، في ظل محدودية عدد القضاة المختصين، وغياب بنية قضائية متخصصة اكتملت عناصرها بعد.

ويؤكد خبراء أن إنشاء غرف مستقلة قد يخفف الضغط عن القضاء التقليدي، لكنه لا يعالج وحده أزمة العدالة المتراكمة منذ سنوات، ما لم يترافق مع إصلاحات تشريعية وإدارية واسعة.

محاكمة عاطف نجيب… سابقة تتجاوز شخص المتهم

تتزامن هذه الترتيبات مع استمرار محاكمة عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا، والتي تحولت إلى اختبار عملي لمسار العدالة الانتقالية في سوريا.

وشهدت المحكمة سابقة غير مألوفة في القضاء السوري، تمثلت بإخفاء هوية أحد الشهود بالكامل خلال الإدلاء بإفادته، في محاولة لحمايته من التداعيات الأمنية والاجتماعية، رغم غياب نص قانوني ينظم برنامجاً متكاملاً لحماية الشهود.

ويرى مختصون أن هذه الخطوة تعكس اجتهاداً قضائياً فرضته طبيعة الجرائم المنظورة، لكنها تكشف في الوقت ذاته حجم الفراغ التشريعي الذي لا يزال يحيط بملفات العدالة الانتقالية.

فراغ قانوني يفرض الاستعانة بالقانون الدولي

لا تقف التحديات عند حدود الإجراءات، بل تمتد إلى القوانين نفسها، إذ إن التشريعات السورية الحالية لا تتضمن توصيفات واضحة لجرائم مثل الجرائم ضد الإنسانية أو الاضطهاد المنهجي، ما يدفع القضاء إلى الاستفادة من مبادئ القانون الدولي لسد هذا النقص.

ويشير خبراء قانون إلى أن هذا المسار لا يعني تجاوز القانون الوطني، بل محاولة تكييفه مع طبيعة الانتهاكات الواسعة التي شهدتها البلاد، ريثما تُحدَّث المنظومة التشريعية بما ينسجم مع المعايير الدولية.

وفي ظل هذه الوقائع، تبدو العدالة الانتقالية في سوريا أمام امتحان يتجاوز المحاكمات الفردية. فنجاحها لن يُقاس بعدد القضايا المفتوحة، بل بقدرة القضاء على بناء ثقة مجتمعية مفقودة، وإثبات استقلاله، وتحويل الوعود القانونية إلى أحكام راسخة تنصف الضحايا، بعيداً عن البطء المؤسسي والقصور التشريعي الذي ما زال يلقي بظلاله على المرحلة الانتقالية.

 

اقرأ أيضاً: محاكمات الرموز وتسريبات الحجز المالي: هل تنزلق العدالة الانتقالية في سوريا نحو الانتقام؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.