رقمنة السجل العقاري في سوريا.. هل تحمي الحكومة الملكيات أم تنقل أزمات الورق إلى الشاشة؟
بعد سنوات طويلة من الحرب، لم تعد خسائر السوريين تقتصر على المنازل والأراضي، بل امتدت إلى الوثائق التي تثبت ملكيتها. آلاف السجلات تعرضت للتلف أو الضياع، وملفات عقارية تحولت إلى نزاعات مفتوحة، فيما تراكمت الإشارات والقيود والإرث القانوني المعقد فوق سجل عقاري أنهكته البيروقراطية قبل أن تنهكه الحرب.
في هذا المشهد، تعلن الحكومة السورية الانتقالية إطلاق مشروع رقمنة السجل العقاري في سوريا ضمن خطة للتحول الرقمي، بوصفه خطوة لتحديث الإدارة وحماية الملكيات. غير أن الطريق إلى هذا الهدف يبدو أكثر تعقيدًا من مجرد تحويل ملايين الصفحات الورقية إلى ملفات إلكترونية، فالأزمة في سوريا ليست أزمة أرشفة، بل أزمة مؤسسات وقوانين وثقة.
ويرى الخبير العقاري الدكتور عمار يوسف أن المشروع يمثل خطوة كان يفترض تنفيذها منذ سنوات طويلة، مشيرًا إلى أن معظم دول العالم انتقلت إلى السجلات الرقمية منذ عقود، بينما بقيت سوريا تعتمد منظومة ورقية أثبتت هشاشتها أمام الحروب والكوارث والفساد الإداري.
ورغم أهمية المشروع، يحذر يوسف من المبالغة في التعويل عليه باعتباره علاجًا شاملًا لمعضلات القطاع العقاري، مؤكدًا أن الرقمنة قد تتحول إلى أداة لحماية الحقوق إذا نُفذت وفق معايير تقنية وقانونية صارمة، لكنها قد تتحول أيضًا إلى مصدر جديد للنزاعات إذا نُقلت الأخطاء القديمة نفسها إلى قاعدة بيانات إلكترونية.
فالقضية، بحسب يوسف، لا تتعلق بإنشاء برنامج حاسوبي أو مسح الوثائق ضوئيًا، بل بإعادة بناء منظومة عقارية كاملة تعاني إرثًا ثقيلًا من التشابكات القانونية. آلاف العقارات ما تزال مثقلة بإشارات ورهون وقيود قديمة، وأخرى موزعة بين عشرات أو مئات الورثة، فيما تفتقر ملفات كثيرة إلى تحديثات دقيقة بعد سنوات النزوح وتغير الوقائع على الأرض.
وتبرز هنا معضلة أخرى لا تقل خطورة، وهي أمن البيانات. فالسجل العقاري الرقمي سيكون مستودعًا لواحدة من أكثر قواعد البيانات حساسية في البلاد، ما يجعل حمايته مسألة سيادية قبل أن تكون تقنية. ويؤكد يوسف أن أي اختراق أو تلاعب بالمعلومات قد يفتح الباب أمام نزاعات واسعة حول الملكيات، لذلك ينبغي أن تبقى قواعد البيانات تحت إشراف الدولة، مع تطبيق أعلى معايير الحماية الإلكترونية.
غير أن المخاوف لا تتوقف عند الجانب التقني، إذ يلفت يوسف إلى أن السجلات الرقمية لن تكتسب قيمتها القانونية تلقائيًا، ما لم تصدر تشريعات تمنحها الحجية الكاملة أمام القضاء وفي معاملات نقل الملكية، وهو ما يجعل الإصلاح التشريعي شرطًا أساسيًا لنجاح المشروع، لا خطوة مؤجلة لما بعد الرقمنة.
وتواجه الحكومة الانتقالية تحديًا إضافيًا يتعلق بالبنية التحتية نفسها. فمشروع بهذا الحجم يحتاج إلى كهرباء مستقرة، وشبكات اتصال موثوقة، ومراكز بيانات قادرة على تخزين ملايين السجلات وتأمينها، وهي متطلبات ما تزال تعاني اختلالات واضحة في بلد لم يتعافَ بعد من آثار سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي.
أما الاستعانة بشركات أجنبية لتنفيذ المشروع، فلا يراها يوسف مشكلة بحد ذاتها، إذا اقتصر دورها على تصميم الأنظمة وتقديم الخبرة التقنية، لكنه يشدد على أن إدخال البيانات وإدارتها وحفظها يجب أن يبقى بيد كوادر سورية وتحت إشراف المؤسسات الوطنية، بالنظر إلى حساسية المعلومات العقارية وارتباطها بحقوق الملكية والسيادة.
في المحصلة، تبدو رقمنة السجل العقاري فرصة حقيقية لإعادة تنظيم أحد أكثر القطاعات تعقيدًا في سوريا، لكنها ليست وصفة سحرية لإنهاء أزمات الملكية التي راكمتها سنوات الحرب والإدارة المرتبكة. فنجاح المشروع لن يقاس بعدد الملفات التي تُرفع إلى الخوادم الإلكترونية، بل بقدرته على استعادة ثقة السوريين بسجل فقد جزءًا كبيرًا من مصداقيته، وبقدرة الحكومة الانتقالية على تنفيذ إصلاح قانوني وإداري متكامل، لا الاكتفاء بإلباس منظومة قديمة ثوبًا رقميًا جديدًا.
اقرأ أيضاً: داريا نموذجاً.. ضياع السجلات العدلية يهدد ممتلكات آلاف السوريين