من هي “إتش كي إن إنرجي” الأميركية التي فازت بامتياز تطوير كنز رميلان النفطي السوري؟
في وقت تتحدث فيه الحكومة السورية عن مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية، برز اسم شركة ”إتش كي إن إنرجي” الأميركية كلاعب جديد ومفاجئ في قطاع النفط السوري، وذلك بعد بدء التحضيرات لتطوير واستثمار حقول رميلان في محافظة الحسكة التي تعد أكبر التجمعات النفطية في البلاد
وتأتي هذه الخطوة المفصلية في ظل غياب تفاصيل رسمية كاملة بشأن طبيعة الاتفاق المبرم بين الجانبين، الأمر الذي أثار جملة من التساؤلات العميقة حول أسباب اختيار هذه الشركة الأميركية تحديداً، وحجم المكاسب المتوقعة من الصفقة، وانعكاساتها المباشرة على مستقبل قطاع الطاقة السوري.
كنز النفط المنهك: الأهمية الاستراتيجية لحقول رميلان
يكتسب دخول الشركة الأميركية على خط الاستثمار أهمية استثنائية لأن حقول رميلان لا تمثل مجرد موقع إنتاج نفطي عادي، بل تعد أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي اعتمد عليها الاقتصاد السوري لعقود طويلة، فقبل عام 2011 كانت المنطقة تضم أكثر من 1300 بئر نفطي، وكان إنتاجها يتراوح بين 180 و200 ألف برميل يومياً، أي ما يقارب نصف إنتاج سوريا الإجمالي من النفط آنذاك، إلا أن سنوات الحرب والصراع وتراجع الاستثمارات وتضرر البنية التحتية أدت إلى انخفاض الإنتاج بصورة حادة، فيما بقيت عشرات الآبار خارج الخدمة نتيجة الحاجة الماسّة إلى عمليات إعادة تأهيل واسعة وتقنيات حديثة لاستخراج النفط من المكامن المتقادمة.
وفي هذا السياق، تبدو “إتش كي إن إنرجي” شركة غير معروفة نسبياً للرأي العام السوري مقارنة بأسماء العمالقة التقليديين مثل “شيفرون” أو “إكسون موبيل”، وهي بالفعل ليست عملاقاً نفطياً بالمعنى القياسي، لكن ثقلها الحقيقي يأتي من شبكة علاقاتها وارتباطها الوثيق بأوساط النفوذ السياسي والمالي الأميركية، فالشركة الأميركية الخاصة التي تأسست عام 2007، ترتبط بمجموعة استثمارية تابعة لرجل الأعمال الأميركي روس بيروت الابن، وهو ابن المرشح الرئاسي الأميركي الأسبق، والذي يسيطر على إمبراطورية “هيلوود” التي تمتد استثماراتها من العقارات إلى النفط والتكنولوجيا، لتقف هذه الإمبراطورية الضخمة خلف “إتش كي إن إنرجي” وتمنحها غطاءً سياسياً واستثمارياً يفوق حجمها الإنتاجي الفعلي.
من إقليم كردستان إلى سوريا: تمهيد الطريق في واشنطن
قبل دخولها الساحة السورية، راكمت شركة “إتش كي إن إنرجي” خبرة طويلة في العمل داخل بيئات سياسية وأمنية معقدة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في إقليم كردستان العراق، حيث تدير حقولاً نفطية منتجة أبرزها حقول “سرسنك” و”أتروش”، كما شاركت خلال السنوات الأخيرة في مشاريع توسع كبيرة شملت تطوير حقول غازية ضخمة في الإقليم، وتقدر قيمة إنتاجها اليومي هناك بنحو 40 إلى 50 ألف برميل، وقد نجحت الشركة في الحفاظ على عملياتها مستقرة رغم النزاعات السياسية والقانونية المتكررة بين بغداد وأربيل حول عقود النفط وآليات التصدير وتقاسم الإيرادات، وهو العامل الذي يبدو أنه شرعن التقارب الأخير مع دمشق.
وترجم هذا التقارب بشكل علني في “المنتدى العالمي للطاقة” الذي انعقد في العاصمة الأميركية واشنطن، حيث عقد وزير الطاقة السوري محمد البشير اجتماعاً رسمياً مع رئيس الشركة مارك رولينز بحضور روس بيروت الابن، وناقش الجانبان خلاله مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية النفطية والغازية والفرص الاستثمارية المتاحة في سوريا
وجاء هذا الاجتماع بالتزامن مع لقاءات أوسع جرت بين مسؤولين سوريين والإدارة الأميركية لبحث مستقبل التعاون في قطاع الطاقة وإعادة الإعمار، مما يسلط الضوء أيضاً على أسباب تراجع مستثمرين آخرين مثل “الحبتور” عن خططهم الاستثمارية السابقة في سوريا.
عقد استثنائي يثير التساؤلات وحصة أسد غير مسبوقة
الجانب الأكثر إثارة للجدل في هذه الصفقة لا يرتبط بهوية الشركة فحسب، بل بطبيعة العقد المبرم حول حقول رميلان الممتد لـ25 عاماً، والذي سُربت تفاصيله دون صدور تأكيد رسمي سوري حتى الآن، وكشفت التسريبات عن توزيع استثنائي لحصص الإنتاج يمنح النصيب الأكبر للطرف الأميركي بشكل غير مسبوق في تاريخ عقود تقاسم الإنتاج العالمية
فوفقاً لمصادر في “الشركة السورية للبترول” نقلت عنها قناة “ولات تي في” الكردية، ينص العقد على توزيع إنتاج النفط بنسبة 60 بالمئة لصالح شركة “إتش كي إن إنرجي” الأميركية، و32 بالمئة لصالح “الشركة السورية للبترول”، و8 بالمئة لصالح شركة “الجزيرة” للخدمات النفطية التابعة لـ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والتي يديرها شاهوز حسن الرئيس المشترك السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الذراع السياسي لـ”قسد”، وتعتبر نسبة الـ60 بالمئة الممنوحة للشركة الأميركية استثنائية جداً وتتجاوز بكثير المعدلات العالمية المتعارف عليها في عقود تقاسم الإنتاج والتي تتراوح عادة بين 15 و40 بالمئة، مما يطرح تساؤلات جادة حول مدى شفافية هذا العقد.
اللاعبون المحليون وتحديات الاستثمار في بيئة معقدة
تشير التقديرات المتخصصة إلى أن مشروع إعادة تأهيل حقول رميلان يتطلب ضخ استثمارات بمئات ملايين الدولارات خلال السنوات الأولى فقط، لتغطية تكاليف إصلاح البنية التحتية المتهالكة، وإعادة تشغيل الآبار المتوقفة، وتحديث شبكات النقل والمعالجة والتخزين، وفي حال نجاح هذه العمليات في رفع الإنتاج إلى مستويات تتجاوز 120 ألف برميل يومياً خلال السنوات المقبلة، فإن القيمة السنوية للإنتاج قد تصل إلى مليارات الدولارات وفق أسعار النفط الحالية، غير أن نجاح هذا الاستثمار يواجه حقل تجارب من المخاطر السياسية والأمنية والقانونية المعقدة.
وتبرز التحديات في طبيعة الترتيبات الإدارية في شمال شرق سوريا، ومستقبل العلاقة الحذرة بين الحكومة المركزية في دمشق والإدارة الذاتية، فضلاً عن استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالاستقرار الأمني وبمواقف القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في الملف السوري
وبناءً على ذلك، فإن نجاح المشروع بكليته سيخضع لاختبار أكثر أهمية يتعلق بقدرة الحكومة السورية على بناء بيئة استثمارية تتسم بالوضوح والشفافية وتكافؤ فرص حقيقي، بعيداً عن النهج الاحتكاري والغموض القانوني القانوني الذي طبع إدارة قطاع النفط خلال العقود الماضية، خاصة وأن المستثمرين الدوليين يبحثون دائماً عن الأطر القانونية المستقرة والضمانات المؤسسية الشاملة التي تحمي استثماراتهم الضخمة على المدى الطويل.
اقرأ أيضاً:قسد تفرض شروطها في الاندماج.. محاصصة للمناصب الإدارية في الحسكة تميل لصالح الكرد
اقرأ أيضاً:انسحاب التحالف الدولي من قاعدة رميلان النفطية وتسليمها للجيش السوري