إدلب: مقتل رجل في كفرتخاريم خلال احتجاجات تطالب بمحاسبة المرتبطين بالنظام السابق
شهدت مدينة كفرتخاريم وبلدات أخرى في ريف إدلب الغربي تصعيداً ميدانياً خطيراً بالتزامن مع احتجاجات شعبية عارمة ضد أشخاص متهمين بالارتباط بالنظام السوري السابق، حيث أسفرت هذه الاضطرابات عن مقتل رجل أعزل بعد تعرضه للضرب والسحل من قبل مجموعة من الأهالي، بالإضافة إلى إصابة شاب آخر بجروح خطيرة في حادثة منفصلة
وتأتي هاتان الحادثتان في سياق موجة عاتية من التحركات الشعبية التي تجتاح عدة بلدات في ريف إدلب، وسط مطالبات حثيثة بمحاسبة شخصيات يتهمها المحتجون بالتعاون مع النظام السابق، في وقت توالت فيه التحذيرات من اللجوء إلى العنف الفردي بدلاً من المسار القضائي.
غليان شعبي واعتداءات تطال المتهمين بالتعاون مع النظام
شهدت عدة بلدات في ريف إدلب خلال الأيام الماضية تحركات ووقفات احتجاجية مكثفة ضد أشخاص يتهمهم الأهالي بالارتباط بالنظام السابق، حيث خرجت مظاهرات غاضبة في كفرتخاريم طالبت بطرد من وُصفوا بـ”شبيحة النظام” ومنع عودتهم إلى المدينة نهائياً، كما شهدت بلدة كفرعويد احتجاجات مماثلة رفضاً لوجود أشخاص يتهمهم السكان بالتعامل مع أجهزة النظام الأمنية السابقة
وامتدت شرارة التظاهرات إلى مدينة كفرنبل التي رفع المشاركون فيها شعارات تطالب بمحاسبة المتهمين بالتعاون مع النظام وإبعادهم عن البلدة، في حين تداول ناشطون مقاطع مصورة لوقفات شعبية تطالب باتخاذ إجراءات صارمة بحقهم.
ومع تصاعد حدة الاحتقان الشعبي وغياب الآليات الرسمية السريعة، تطورت بعض هذه التحركات إلى اعتداءات مباشرة استهدفت أشخاصاً وممتلكات في عدد من المناطق، قبل أن تبلغ ذروتها في كفرتخاريم بمقتل المواطن شكري الكيالي، وفي كفرعويد بإصابة شاب آخر بجروح بليغة، وتزامن ذلك مع انتشار منشورات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو لمواصلة الضغط الشعبي ضد هؤلاء الأشخاص، وتشدد على عدم السماح لهم بالعودة إلى البلدات أو تولي أي مواقع عامة أو إدارية في المرحلة المقبلة، بالتزامن مع توارد أنباء عن إضرابات واحتجاجات مشابهة شهدتها مناطق في ريف دمشق والحسكة والسويداء.
تفاصيل مقتل شكري الكيالي واعتداء جبل الزاوية
تحولت الاحتجاجات في مدينة كفرتخاريم إلى حادثة عنف مأساوية بعد تعرض الرجل الأعزل شكري الكيالي للاعتداء من قبل مجموعة من الأشخاص الذين اتهموه بالارتباط بالنظام السابق، وبحسب الروايات المتداولة والتقارير الحقوقية والمحلية، فقد جرى الهجوم عليه في وسط المدينة وأمام جمع كبير من الأهالي، حيث تعرض لعملية ضرب مبرح وسحل من قبل عشرات الأشخاص قبل أن يفارق الحياة متأثراً بجراحه الشديدة
وتداول ناشطون وصفحات محلية مقاطع فيديو وصوراً توثق الحادثة، وسط اتهامات واسعة للكيالي على منصات التواصل الاجتماعي بأنه كان من مؤيدي النظام السابق أو ممن عملوا لصالحه خلال سنوات النزاع، بل وذهبت بعض المنشورات إلى اتهامه بالتورط في انتهاكات سابقة والمسؤولية عن مقتل معارضين من أبناء المنطقة، ورغم هذا الانتشار الواسع للاتهامات، لم تظهر حتى الآن أي وثائق أو أدلة علنية مستقلة تثبت طبيعة علاقته بالنظام السابق أو تؤكد شغله منصباً عسكرياً أو أمنياً، كما لم تصدر أي معلومات رسمية تفصل خلفيته أو تفند الاتهامات المتداولة بحقه.
وفي منطقة جبل الزاوية، أفادت تقارير محلية بوقوع حادثة مشابهة تماماً في بلدة كفرعويد، حيث أدى تعرض شاب لاعتداء جسدي قاسي من قبل مجموعة من الأهالي، بعد اتهامه بالتعامل مع النظام السابق، إلى إصابته بجروح خطيرة ونزيف حاد استدعى نقله على الفور إلى المستشفى لتلقي العلاج
وأشارت التقارير الميدانية إلى أن هذه الحادثة جاءت في ظل أجواء مشحونة بالتوتر والاحتقان المرتبط بملف الأشخاص المتهمين بالارتباط بالنظام، وهو الملف الذي بات المحرك الأساسي للاحتجاجات الأخيرة في المحافظة.
إدانات حقوقية واسعة وتحذيرات من غياب القانون
أثارت هذه الحوادث موجة من الإدانات الواسعة من قبل ناشطين وحقوقيين ومنظمات حقوقية سورية، حيث وصفت تقارير حقوقية ما جرى في كفرتخاريم بأنه جريمة سحل وتعذيب علنية أفضت إلى الموت، مؤكدة أن الاتهامات الموجهة للضحية، أياً كانت طبيعتها وجديتها، لا يمكن أن تبرر القتل أو الاعتداء خارج إطار القانون، ودعت هذه المنظمات إلى فتح تحقيق فوري وجاد في ملابسات الحادثة ومحاسبة المسؤولين عن القتل، مشددة على أن ملاحقة المتهمين بارتكاب انتهاكات أو التعاون مع النظام السابق يجب أن تتم حصراً عبر المؤسسات القضائية المختصة، وليس من خلال أعمال انتقامية أو عقوبات عشوائية ينفذها أفراد أو مجموعات محلية
كما حذرت تلك المنظمات السورية من مخاطر حصر المساءلة بجرائم النظام السابق وتجاهل الانتهاكات الجديدة، مؤكدة أن إغفال التجاوزات الحالية يهدد مسار العدالة برُمته في سوريا.
بيان وزارة الداخلية: غياب للتفاصيل وتهرب من المسؤولية
وفي رد فعل رسمي على هذا التدهور الأمني، أصدرت وزارة الداخلية بياناً تتابع فيه التوترات التي شهدتها بعض مناطق محافظة إدلب على خلفية المطالب الشعبية بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة خلال سنوات حكم النظام السابق، إلا أن البيان الحكومي جاء عاماً وفضفاضاً وخالياً تماماً من التفاصيل المتعلقة بالأحداث الدامية التي شهدتها كفرتخاريم وكفرعويد، إذ تجنب البيان أي إشارة مباشرة إلى مقتل شكري الكيالي أو إلى حادثة الاعتداء الثانية التي أوقعت إصابات خطيرة في كفرعويد، كما لم يعلن عن فتح تحقيق محدد أو اتخاذ إجراءات قانونية بحق المتورطين في هاتين الحادثتين، واكتفت الوزارة بالتشديد التقليدي على ضرورة الاحتكام إلى المؤسسات الرسمية وعدم اللجوء إلى أعمال انتقامية خارج إطار القانون، على الرغم من أن الأحداث التي استدعت صدور البيان تضمنت بالفعل أعمال عنف قاطعة أفضت إلى مقتل شخص وإصابة آخر.

وتسلط هذه الحوادث الأخيرة الضوء على حالة الانفلات الأمني الخطيرة التي ما تزال تشهدها بعض المناطق، حيث باتت الشبهات والاتهامات غير المثبتة كافية لتبرير اعتداءات جماعية تنتهي بالقتل خارج أي إطار قضائي، كما تثير هذه الوقائع تساؤلات حرجاً حول قدرة الحكومة الانتقالية على فرض سيادة القانون وضبط الأمن، ومنع تحول مطالب المحاسبة المشروعة إلى ممارسات انتقامية وثأرية تهدد الاستقرار المجتمعي المحلي.
اقرأ أيضاً:مظاهرات في حلب وإدلب تطالب بالعدالة الانتقالية ومحاسبة رموز النظام السابق
اقرأ أيضاً:وقفة احتجاجية لنساء في ريف إدلب تُطالب بالكشف عن مصير معتقلي حزب التحرير