الفستق الحلبي السوري يتوسع.. الإنتاج يكبر والمزارع يخسر معركة التصدير
تتسع رقعة الفستق الحلبي في سوريا عاماً بعد آخر، لكن اتساع الأشجار لا يعني بالضرورة اتساع عائد المزارعين. فالمحصول الذي يفترض أن يكون أحد أبرز المنتجات الزراعية القابلة للتصدير، يجد نفسه محاصراً بين ارتفاع تكاليف الزراعة والقطاف، وتراجع الإنتاج في بعض المناطق، وانتشار الآفات، ثم عقبات تبدأ عند بوابة التصدير ولا تنتهي عند ضعف الهوية التجارية للمنتج السوري.
وتكشف أرقام موسم 2026 اتساع المساحة المزروعة إلى نحو 67.9 ألف هكتار، تضم أكثر من 10.4 مليون شجرة، بينها أكثر من 8 ملايين شجرة مثمرة. لكن هذا النمو الكمي يخفي تفاوتاً واضحاً في الإنتاج، وفجوة أكبر بين ما تنتجه البساتين وما يستطيع المزارع تحويله إلى دخل مستقر.
أشجار أكثر.. وإنتاج غير مستقر
يقول مدير مكتب الفستق الحلبي في وزارة الزراعة عادل هواش إن المساحة المزروعة ارتفعت في 2026 إلى 67864 هكتاراً، مقابل نحو 60500 هكتار في 2025، فيما ارتفع عدد الأشجار من قرابة 9.7 مليون إلى 10.47 مليون شجرة.
لكن زيادة المساحة لم تنعكس بصورة متوازية على الإنتاج. ففي حلب، تراجع الإنتاج المتوقع إلى نحو 12690 طناً، مقارنة بنحو 25360 طناً في 2025، بينما ارتفع في حماة إلى 14740 طناً، وتحسن في إدلب بصورة محدودة إلى نحو 5015 طناً.
وتكشف هذه الأرقام أن التوسع الزراعي لا يزال يفتقر إلى استقرار إنتاجي يحمي المزارع من تقلبات الطقس والآفات، فيما يتركه ارتفاع تكاليف المدخلات والقطاف أمام هامش أضيق للربح.
آفات بلا أدوات مكافحة كافية
ولا تبدو المشكلة مناخية فقط. فالمزارع والخبير الزراعي أحمد السيد محمد يشير إلى أن قلة الأمطار والتغيرات المناخية ساهمت في انتشار حشرة “البسيلا”، ما دفع المزارعين إلى تكرار عمليات المكافحة دون نتائج كافية.
أما “الكابنودس”، فتبدو أكثر قسوة، في ظل غياب علاج فعال لها حتى الآن، واعتماد المزارعين على وسائل يدوية لمكافحتها، من تتبع الثقوب وحقنها بالمبيدات أو مواد أخرى ثم إغلاقها، وهي أساليب تكشف محدودية الأدوات المتاحة أمام مزارع يواجه آفة قادرة على تهديد الأشجار وإنتاجيتها.
وتزداد المشكلة مع الأشجار الهرمة وأخطاء القطاف، إذ يمكن لتأخير الجمع أو استخدام عمال غير مدربين أن ينعكس على إنتاج الموسم التالي. وبينما تقدم الوزارة إرشادات وجولات ميدانية وتوفر الغراس والمطاعيم، يبقى الدعم الزراعي في كثير من الحالات أقرب إلى الإرشاد منه إلى معالجة الكلفة الفعلية للمخاطر التي يتحملها المزارع.
المزارع أمام سوق لا يكافئ كلفة الإنتاج
يرى الخبير الاقتصادي خالد تركاوي أن الأسعار المحلية الحالية مجحفة بحق المزارع الصغير، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة وأجور القطاف، بينما يحصل الوسطاء على جزء كبير من هامش الربح مستفيدين من حاجة المزارع إلى السيولة.
وهنا تظهر إحدى أزمات الزراعة السورية المزمنة: المنتج يتحمل كلفة الأرض والمياه والعمالة والآفات، لكنه لا يملك بالضرورة القدرة على تحديد السعر النهائي.
ويبدو التصدير مخرجاً أكثر جاذبية، لكن الوصول إلى الأسواق الخارجية يصطدم بعقبات مصرفية تتعلق بالتحويلات والاعتمادات، ومتطلبات جودة صارمة، خصوصاً في ما يتعلق بالأفلاتوكسين، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والترانزيت.
فستق سوري بلا اسم تجاري قوي
الأكثر إيلاماً أن جزءاً من الفستق السوري يخرج خاماً إلى الأسواق الخارجية، ليعاد تعبئته وبيعه بعلامات تجارية أجنبية. أي أن سوريا تنتج المحصول، لكن القيمة الأعلى منه تُصنع خارجها.
ويقترح تركاوي تسجيل الفستق الحلبي السوري كعلامة محمية دولياً، وتطوير الفرز الآلي والتعبئة المفرغة من الهواء، وربط المقاشر بصناعة الحلويات، بما يسمح بتحويل المحصول من مادة خام إلى منتج ذي قيمة مضافة.
لكن هذه المقترحات تحتاج إلى أكثر من مبادرات فردية. فالدولة مطالبة ببناء سلسلة متكاملة تبدأ من حماية البستان ومكافحة الآفات، ولا تنتهي عند التسويق والتصدير.
وفي ظل غياب هذه المنظومة، تبدو زيادة المساحات وعدد الأشجار إنجازاً ناقصاً: سوريا تزرع فستقاً أكثر، لكن المزارع لا يزال يقاتل كي يحصل على عائد يتناسب مع ما أنفقه، فيما يخرج جزء من محصوله إلى الخارج ليحمل اسماً غير اسمه. إنها مفارقة تلخص مشكلة أوسع في الاقتصاد الزراعي السوري: القدرة على الإنتاج موجودة، لكن الدولة لم تبنِ بعد الطريق الذي يحوّل الإنتاج إلى قوة اقتصادية حقيقية.
اقرأ أيضاً: موسم الفستق الحلبي في سوريا: المؤشرات الأولية تبشر بإنتاج وفير وخريطة تصديرية واسعة