أزمة أطباء الأسنان في سوريا.. آلاف الخريجين وسوق عاجزة عن استيعابهم

لم يعد الحصول على شهادة في طب الأسنان في سوريا بوابة مضمونة نحو الاستقرار المهني، بل بات بداية سباق طويل في سوق مكتظة بالأطباء، تتقلص فيها فرص العمل، بينما ترتفع تكاليف افتتاح العيادات إلى مستويات تفوق قدرة معظم الخريجين. وبين الجامعات التي تواصل ضخ آلاف الأطباء سنوياً، وسوق لم تعد تتسع لهذا التدفق، تتسع الفجوة عاماً بعد آخر دون مؤشرات واضحة على معالجتها.

النقابة تدق ناقوس الخطر

أعادت نقابة أطباء الأسنان في سوريا فتح النقاش بعد تحذيرها من أي توجه لافتتاح كليات جديدة أو زيادة أعداد المقبولين، مؤكدة أن استمرار التوسع في التعليم دون دراسة احتياجات السوق سيعمق حالة التشبع، ويهدد مستقبل آلاف الخريجين، فضلاً عن انعكاسه على جودة التعليم والخدمات الصحية.

وأوضحت النقابة أنها قدمت دراسات إلى وزارة التعليم العالي تتضمن مؤشرات عن أعداد الأطباء والخريجين والاحتياجات الفعلية للقطاع، داعية إلى اعتماد سياسة قبول تستند إلى متطلبات سوق العمل لا إلى التوسع العددي.

سوق مزدحمة وفرص تتراجع

تقول طبيبة الأسنان تسنيم ماشة إن الجامعات السورية تخرّج ما بين أربعة وخمسة آلاف طبيب سنوياً، بينما لا تتجاوز مقاعد الاختصاص 500 مقعد، ما يجعل آلاف الخريجين يدخلون سوقاً تعاني أصلاً من فائض كبير.

وتوضح أن افتتاح عيادة خاصة أصبح مشروعاً مكلفاً، في ظل ارتفاع أسعار الأجهزة والمواد الطبية، بينما لا يتجاوز متوسط دخل كثير من أطباء الأسنان بين 300 و500 دولار شهرياً، وهو رقم لا يغطي كلفة التجهيز والتشغيل.

وتضيف أن المنافسة دفعت بعض الأطباء إلى تخفيض الأسعار أو إطلاق عروض تسويقية لاستقطاب المرضى، في وقت أصبحت فيه الخبرة العملية، أكثر من الشهادة، العامل الحاسم للحصول على فرصة عمل.

تراجع الجودة تحت ضغط المنافسة

يرى طبيب الأسنان فادي عرموش أن المشكلة لم تعد محصورة في كثرة الخريجين، بل امتدت إلى اختلال العلاقة بين التعليم وسوق العمل. فارتفاع أعداد الجامعات والطلاب ترافق مع تراجع التدريب السريري، بينما فرضت الظروف الاقتصادية ضغوطاً دفعت بعض العيادات إلى استخدام مواد أقل جودة أو التركيز على الخدمات التجميلية ذات العائد الأسرع.

ويشير إلى أن المنافسة أصبحت في كثير من الأحيان قائمة على خفض الأسعار لا على جودة الخدمة، الأمر الذي يهدد المعايير المهنية ويضعف ثقة المرضى بالمهنة.

الخريجون بين البطالة والهجرة

أما الأطباء الجدد، فيصفون الانتقال من الجامعة إلى سوق العمل بـ”الصدمة الأولى”. وتؤكد الطبيبة ربا الصبح أن التدريب الجامعي لا يمنح الخريج المهارات الكافية للتعامل مع الواقع العملي، بينما تلعب العلاقات الشخصية دوراً مؤثراً في الحصول على فرص التدريب والعمل.

ويتفق معها الطبيب إليان معلوف، معتبراً أن محدودية فرص الاختصاص وغياب تنظيم فعلي لسوق العمل يدفعان عدداً متزايداً من الخريجين إلى التفكير بالهجرة، بحثاً عن بيئة مهنية أكثر استقراراً.

دعوات لإعادة التوازن

يرى عضو الهيئة التدريسية في كلية طب الأسنان بدمشق، الدكتور محمد شمس الدين، أن الأزمة تتطلب مراجعة شاملة لسياسات القبول الجامعي، وربط أعداد المقبولين باحتياجات القطاع الصحي، إلى جانب توسيع برامج التدريب العملي، وتوفير قروض ميسرة للخريجين الراغبين في افتتاح عياداتهم.

كما دعا إلى دعم الصناعات المرتبطة بطب الأسنان وتشديد الرقابة على جودة المواد والأسعار، بما يخفف الأعباء عن الطبيب والمريض معاً.

وبين تحذيرات النقابة، وشكاوى الأطباء، وواقع سوق تتسع فيها المنافسة وتضيق فيها الفرص، تبدو مهنة طب الأسنان في سوريا أمام مفترق يحتاج إلى قرارات تنظيمية تتجاوز الحلول المؤقتة. فاستمرار تخريج آلاف الأطباء سنوياً دون مواءمة مع قدرة السوق على استيعابهم، لا يهدد مستقبل الخريجين فحسب، بل يضع المنظومة الصحية بأكملها أمام اختلالات يصعب تجاهلها.

 

اقرأ أيضاً: أزمة أطباء الإقامة: رواتب غائبة، استنزاف جسدي، وهجرة جماعية نحو “الألمانية”

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.