رغم المكانة التي تحظى بها المنتجات الزراعية السورية في الأسواق المحلية وعدد من الأسواق الخارجية، ولا سيما في دول الخليج، لا يزال القطاع الزراعي يواجه تحديات متشابكة تتعلق بعمليات التسويق والتصدير، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، واستمرار العقبات المرتبطة بالمعابر الحدودية والإجراءات اللوجستية.
وتؤكد وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي أنها تعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية على تذليل العقبات أمام تسويق المنتجات الزراعية، من خلال توقيع اتفاقيات وتقديم تسهيلات للمزارعين والمصدرين، في حين يرى عاملون في القطاع الزراعي أن الإجراءات الحالية لا تزال أقل من مستوى التحديات التي يواجهها المنتج السوري.
مزارعون: تكاليف مرتفعة وخسائر يتحملها الفلاح
ويقول مزارعون إنهم يتحملون العبء الأكبر في سلسلة الإنتاج والتسويق، في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة وتكاليف النقل والتوضيب، إلى جانب تأثير الظروف المناخية على الإنتاج في بعض المواسم.
وقال المزارع مظلوم عين حور إن إنتاج الكرز والمشمش واللوزيات خلال الموسم الحالي جاء أقل من التوقعات بسبب الأحوال الجوية التي رافقت فترة الإزهار، مشيراً إلى أن الصقيع والبرد أثرا في كمية الإنتاج وجودته.
وأضاف أن المزارعين يفتقرون إلى آليات تعويض فعالة عند تعرض محاصيلهم لأضرار ناجمة عن الكوارث الطبيعية، متسائلاً عن دور الجهات الحكومية في دعم الفلاحين في مثل هذه الحالات.
وأوضح أن الفلاح يتحمل تكاليف مرتفعة للأسمدة والبذار والمبيدات والعمالة، في حين تظل فرص تعويض خسائره محدودة، معتبراً أن دور الدولة لا يقتصر على شراء المحاصيل، بل يشمل أيضاً توفير خدمات النقل والتسويق وتخفيف الأعباء المالية المرتبطة بها.
خبراء: غياب منظومة تسويق متكاملة
من جانبه، قال خبير الاقتصاد الزراعي عبد الرزاق حبزة إن المزارعين لا يحصلون على الدعم الكافي في مرحلة تسويق منتجاتهم، سواء فيما يتعلق بوسائل النقل أو مواد التعبئة والتغليف.
وأوضح أن كثيراً من المزارعين يعتمدون على وسائل نقل خاصة لنقل محاصيلهم إلى أسواق “الهال”، ما يزيد من تكاليف الإنتاج، فضلاً عن تعرضهم أحياناً لانخفاض الأسعار نتيجة زيادة الكميات المعروضة لدى تجار الجملة.
وأشار حبزة إلى أن الجزء الأكبر من الأرباح يذهب غالباً إلى تجار الجملة والمصدرين، بينما يبقى هامش الربح الذي يحصل عليه الفلاح محدوداً، خصوصاً مع الارتفاع المستمر في أسعار الأسمدة والبذار والمبيدات وأجور العمالة وصناديق التعبئة.
وأضاف أن بعض المزارعين لا يتمكنون في بعض الأحيان من تغطية تكاليف نقل محاصيلهم إلى الأسواق المركزية، ما يجعل عملية التسويق نفسها عبئاً إضافياً عليهم.
مقترحات لتطوير التسويق الزراعي
ويرى حبزة أن معالجة هذه المشكلات تتطلب إنشاء أسواق “هال” فرعية بالقرب من مناطق الإنتاج الزراعي، بما يسهم في تقليل تكاليف النقل وتخفيف الضغط عن السوق المركزي في الزبلطاني.
وأشار إلى وجود مقترحات لإنشاء مراكز تسويق جديدة في مناطق مثل دوما والكسوة، معتبراً أن هذه الخطوة ستساعد على تقليص المسافات التي يقطعها المزارعون لتسويق محاصيلهم.
كما دعا إلى إنشاء مراكز حكومية لتجميع وتسويق المنتجات الزراعية، والاستفادة من أساطيل النقل التابعة للمؤسسات الحكومية، إضافة إلى إعادة تفعيل النقل عبر السكك الحديدية لما يمكن أن يوفره من خفض في تكاليف النقل الداخلي.
تحسن في النقل الداخلي بعد إزالة الحواجز
ورغم استمرار المشكلات المتعلقة بالتكاليف، يشير عدد من المزارعين إلى حدوث تحسن في حركة نقل المنتجات الزراعية مقارنة بالسنوات السابقة.
وقال المزارع مظلوم عين حور إن إزالة الحواجز التي كانت تعيق حركة الشاحنات أسهمت في تقليص زمن الوصول إلى أسواق “الهال”، موضحاً أن الرحلة التي كانت تستغرق نحو عشر ساعات في السابق أصبحت لا تتجاوز ساعة ونصف تقريباً.
وأضاف أن هذا التحسن انعكس إيجاباً على عمليات التسويق الداخلي، رغم استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.
تحديات التصدير إلى الأسواق الخليجية
ولا تقتصر الصعوبات على السوق المحلية، إذ يواجه المصدرون تحديات مرتبطة بعمليات التصدير إلى دول الخليج، خاصة عبر الأراضي الأردنية.
وقال سائق الشحن جمال القاضي إن سائقي الشاحنات السورية كانوا يواجهون سابقاً صعوبة في استكمال رحلاتهم إلى السعودية بسبب عدم السماح لهم بالعبور من الأردن من دون الحصول على تأشيرة دخول سعودية.
وأضاف أن الوضع شهد تحسناً خلال الأيام الأخيرة، بعد السماح للسائقين السوريين بالحصول على التأشيرات اللازمة، ما أتاح لهم متابعة رحلاتهم إلى السعودية ومنها إلى الكويت وعدد من دول الخليج.
إلا أنه أوضح أن عمليات التفتيش على الحدود الأردنية لا تزال تستغرق وقتاً طويلاً، إذ تخضع الشاحنات لمرحلتين من التفتيش، الأولى باستخدام أجهزة الكشف، والثانية عبر تفريغ الحمولة وإجراء تفتيش يدوي، وهو ما يؤدي إلى تأخير وصول الشحنات، خصوصاً المنتجات الزراعية سريعة التلف.
وأشار إلى أن الجانب السعودي قدم تسهيلات في منح التأشيرات، مؤكداً أن مئات السائقين السوريين تمكنوا من الحصول عليها خلال الفترة الماضية.
المصدرون: خسائر كبيرة وإجراءات تحتاج إلى تسهيل
بدوره، قال المصدر محمد أحمد الشغري إن إجراءات الحصول على التأشيرات لا تزال تستغرق وقتاً طويلاً، نظراً لارتباطها باستكمال مستندات مثل شهادة المنشأ والفاتورة، وهو ما ينعكس سلباً على الشحنات المبردة التي لا تحتمل التأخير.
وأضاف أن بعض الشاحنات المخصصة لنقل المواد المبردة تُستخدم أيضاً لنقل بضائع جافة، بهدف تقليل تكاليف تشغيل أجهزة التبريد، معتبراً أن هذه الممارسة تؤثر في جودة النقل، وداعياً إلى منعها أسوة بما هو معمول به في عدد من دول الخليج.
وأشار كذلك إلى أن بعض المنتجات الزراعية، مثل ورق العنب، تصل إلى الأسواق الخارجية بجودة أقل نتيجة بقائها أياماً على الحدود بانتظار انتهاء إجراءات الفحص والتحاليل.
وأوضح أن عدداً كبيراً من التجار والمصدرين تكبدوا خسائر خلال الموسم الحالي بسبب بطء حركة العبور عبر المنافذ الحدودية، مؤكداً أن بعضهم خسر ما يصل إلى 70% من قيمة شحناته، فيما اضطر آخرون إلى التوقف عن ممارسة نشاطهم.
وأضاف أن المصدرين يعولون على شهري تموز وآب لتحسين حركة التصدير وتعويض جزء من الخسائر التي لحقت بهم، مطالباً بإعادة تفعيل اتحاد الصادرات ليكون جهة تمثل المصدرين وتتابع مشكلاتهم، بعد إلغائه بقرار رئاسي عام 2022.
هيئة دعم الصادرات: نعمل على دعم المنتج المحلي
وفيما يرى بعض المصدرين أن هيئة دعم وتنمية الصادرات لم تقدم دعماً ملموساً للقطاع، أوضح المكتب الصحفي في الهيئة أن دورها يتركز على تنمية الإنتاج المحلي وتعزيز الصادرات السورية عبر مهام تنظيمية وتشريعية وتنسيقية.
وأضاف أن الهيئة تعمل على تسهيل إجراءات المصدرين مع الجهات المحلية والأسواق الخارجية، وإعداد الدراسات الخاصة بالأسواق، وتنظيم لقاءات الأعمال، ودعم تطوير المنتجات المحلية لتصبح أكثر قدرة على المنافسة، إضافة إلى بناء علاقات اقتصادية مع الأسواق المستهدفة، والعمل على توفير أدوات تمويل وصناديق استثمار تدعم المنتجين والمصدرين.
مطالب بمنظومة متكاملة لدعم القطاع
ويرى العاملون في القطاع الزراعي أن تحسين واقع التسويق والتصدير يتطلب خطة متكاملة تبدأ من دعم المزارع في مرحلة الإنتاج، مروراً بتطوير مراكز التسويق والبنية اللوجستية، وانتهاءً بتسهيل إجراءات التصدير عبر المعابر الحدودية.
ويؤكد مختصون أن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، إلى جانب محدودية مراكز التسويق وصعوبات الوصول إلى الأسواق الخارجية، يستدعي اتخاذ إجراءات إضافية لتعزيز تنافسية المنتجات الزراعية السورية، بما يضمن وصولها إلى الأسواق العربية والخليجية بكفاءة أكبر، ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق المزارعين والمصدرين.