الليرة السورية في إدلب… سيادة نقدية تصطدم باقتصاد الواقع
بعد أكثر من ستة أشهر على طرح الليرة السورية الجديدة، ما تزال محافظة إدلب تعيش واقعاً نقدياً معقداً تتقاسم فيه الليرة السورية والدولار والليرة التركية المشهد الاقتصادي، في صورة تعكس حجم التشوهات التي خلفتها سنوات الانقسام الإداري والاقتصادي، وتضع الحكومة السورية الانتقالية أمام اختبار بالغ الحساسية لإعادة توحيد السوق النقدية دون دفع المواطنين نحو أزمات معيشية جديدة.
وفي محاولة لاستعادة السيطرة على السياسة النقدية، أعلن مصرف سوريا المركزي بدء خطة لسحب الليرة التركية تدريجياً من مناطق الشمال السوري، بالتزامن مع افتتاح فرعه الجديد في إدلب، في خطوة تراها السلطات مدخلاً لإعادة دمج المحافظة ضمن المنظومة الاقتصادية الوطنية، بينما يحذر اقتصاديون من أن نجاحها لن يتحقق بالقرارات وحدها، بل بقدرة الدولة على استعادة الثقة بالعملة المحلية.
سوق بأربع عملات
رغم عودة الليرة السورية إلى التداول عقب سقوط نظام الأسد، لا تزال الأسواق في إدلب تعتمد بصورة واسعة على الليرة التركية، إلى جانب الدولار، بينما تتداول الليرة السورية بنسختيها القديمة والجديدة، الأمر الذي خلق سوقاً متعددة العملات يصعب على المواطنين والتجار التعامل معها يومياً.
ويقول قاسم الحسن، وهو ممرض في مدينة إدلب، إن شراء أبسط الاحتياجات تحول إلى سلسلة من العمليات الحسابية المعقدة، إذ تُسعّر معظم السلع بالليرة التركية، بينما تُحتسب قيمتها عند الدفع بالليرة السورية عبر الدولار وأسعار صرف متغيرة، ما يرفع التكلفة النهائية على المستهلك بصورة شبه يومية.
ويؤكد أن المواطنين يدفعون فروقات مالية متكررة بسبب اختلاف آليات التسعير، في ظل غياب رقابة فعالة تضبط الأسواق وتحول دون استغلال تقلبات أسعار الصرف.
خطة لاستعادة السيادة النقدية
وتقوم خطة مصرف سوريا المركزي على ثلاثة مسارات رئيسية، تشمل تفعيل فرع المصرف في إدلب، ووقف ضخ الليرة التركية بالتنسيق مع المؤسسات المالية التركية، وسحب الكتل النقدية المتداولة تدريجياً، بالتوازي مع توسيع استخدام الليرة السورية في مختلف المعاملات.
ويؤكد المصرف أن افتتاح فرعه في إدلب يهدف إلى إدارة السيولة، وتنفيذ الحوالات والتسويات، وتوفير الخدمات المصرفية، بما يمهد لإعادة دمج المحافظة ضمن النظام المالي السوري.
لكن هذه الخطوات تأتي في وقت ما تزال فيه الأسواق تعتمد بصورة واسعة على الليرة التركية، بينما يتقاضى معظم العاملين في القطاع الخاص أجورهم بها، الأمر الذي يجعل أي تحول سريع محفوفاً بمخاطر اقتصادية واجتماعية.
الثقة… الحلقة المفقودة
ويرى المستشار الاقتصادي أسامة قاضي أن توحيد العملة يمثل خطوة ضرورية لاستعادة وحدة السياسة النقدية، إلا أن الباحث الاقتصادي محمد ناصر حمو يعتبر أن نجاح العملية يرتبط قبل كل شيء بإعادة بناء الثقة بالليرة السورية.
ويشير إلى أن توحيد العملة قد يحد من اضطراب الأسواق ويقلص الضغوط التضخمية، لكنه يحذر من أن أي تأخير في تنفيذ الخطة أو نقص في السيولة قد يدفع المواطنين والتجار إلى توسيع الاعتماد على الدولار باعتباره ملاذاً أكثر استقراراً.
ويؤكد أن نجاح عملية الانتقال يتطلب ضخ كميات كافية من العملة الجديدة، وتطوير البنية التحتية للمدفوعات الإلكترونية، وربط الأجور والرواتب بالليرة السورية، بما يشجع السوق تدريجياً على التخلي عن العملات البديلة.
اختبار اقتصادي للحكومة
ويعزو اقتصاديون تأخر تنفيذ عملية سحب الليرة التركية إلى تحديات لوجستية وتعقيدات مالية تراكمت خلال سنوات الانقسام، فضلاً عن العقوبات التي أعاقت التنسيق بين المؤسسات المالية في البلدين.
ويرى الباحث محمد ناصر حمو أن السحب المتسرع قد يربك الأسواق ويفتح الباب أمام موجات جديدة من المضاربة، مشدداً على أن الخيار الأكثر أماناً يتمثل في تنفيذ الخطة بصورة تدريجية مع تقييم نتائج كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
ويضيف أن الحكومة السورية الانتقالية تواجه اليوم أحد أصعب اختباراتها الاقتصادية، إذ لا يكفي الإعلان عن استعادة السيادة النقدية ما لم تتمكن من توفير عملة مستقرة، والحفاظ على سعر صرف متوازن، وإقناع المواطنين بأن الليرة السورية أصبحت أداة ادخار وتبادل موثوقة، لا مجرد وسيلة اضطرارية للتعامل.
بين القرار والواقع
ورغم أن توحيد العملة يمثل خطوة أساسية نحو إعادة دمج الاقتصاد السوري، فإن المشهد في إدلب يكشف أن الطريق لا يزال طويلاً. فاستعادة السيادة النقدية لا تُقاس بعدد الفروع المصرفية التي تُفتتح، ولا بحجم القرارات التي تُصدر، بل بقدرة الحكومة على بناء اقتصاد أكثر استقراراً، وسوق أقل اضطراباً، وعملة تستعيد ثقة السوريين بعد سنوات من التراجع والانقسام.
اقرأ أيضاً: مصرف سوريا المركزي يفتتح فرعاً في إدلب ويعلن خطة لسحب الليرة التركية