بعد انتهاء استبدال العملة.. هل تصمد الليرة السورية أم تبدأ موجة تراجع جديدة؟
مع اقتراب إسدال الستار على واحدة من أكبر العمليات النقدية التي شهدتها سوريا منذ سنوات، تتجه الأنظار إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا بعد انتهاء استبدال العملة؟ فبينما تصف الحكومة السورية الانتقالية العملية بأنها نجاح إداري يعزز الثقة بالنظام النقدي، يحذر اقتصاديون من أن مصير الليرة لن تحدده الأوراق الجديدة، بل واقع اقتصاد ما يزال مثقلاً بالعجز وضعف الإنتاج وشح القطع الأجنبي.
ومع انتهاء المهلة الرسمية لاستبدال العملة، تصبح الليرة القديمة خارج التداول، في خطوة يقول مصرف سوريا المركزي إنها تقنية بحتة ولا تستهدف التأثير في سعر الصرف أو التضخم. إلا أن هذا التفسير لم يبدد الجدل، خصوصاً بعد التحسن النسبي الذي سجلته الليرة خلال فترة الاستبدال، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول قدرة هذه الخطوة على إحداث استقرار مستدام في سوق النقد.
ويرى خبراء أن انتهاء ازدواجية العملة سيزيل حالة من الارتباك والمضاربة التي رافقت المرحلة الماضية، ويوفر للمصرف المركزي بيانات أكثر دقة عن حجم الكتلة النقدية المتداولة، وهو ما قد يساعد في رسم سياسة نقدية أكثر وضوحاً. لكنهم يجمعون في الوقت ذاته على أن هذه المكاسب تبقى محدودة إذا لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية أعمق تعالج جذور الأزمة.
ويؤكد المحلل الاقتصادي الدكتور عبد المنعم الحلبي أن عملية الاستبدال تحمل بعداً تنظيمياً أكثر من كونها تحولاً اقتصادياً، موضحاً أن أثرها يقتصر على تحسين آليات التداول والرقابة والحد من بعض أشكال التلاعب بالأسعار، دون أن تمس العوامل الأساسية التي تتحكم بسعر صرف الليرة.
ويذهب الخبير الاقتصادي رضوان الدبس إلى أن توحيد العملة قد ينعكس إيجاباً على الحالة النفسية للسوق ويحد من المضاربات، لكنه يشدد على أن الثقة بالليرة لا تُبنى عبر تبديل الأوراق النقدية، بل من خلال سياسة نقدية مستقرة، واحتياطي أجنبي كافٍ، وشفافية أكبر في إدارة الملف المالي.
أما الخبير الاقتصادي إيهاب اسمندر، فيرى أن انتهاء الاستبدال يزيل جزءاً من الضبابية النقدية، لكنه لا يغير حقيقة أن الاقتصاد السوري ما يزال يواجه اختلالات هيكلية ثقيلة، أبرزها العجز التجاري المزمن، وضعف الاحتياطات الأجنبية، واستمرار الاعتماد على تدفقات خارجية محدودة.
ويحذر اسمندر من أن عودة السيولة إلى الأسواق بعد انتهاء الاستبدال قد تولد طلباً مؤجلاً على الدولار، ما قد يضغط على سعر الصرف خلال الأسابيع الأولى، خاصة إذا اتجه جزء من المدخرات إلى العملات الأجنبية باعتبارها ملاذاً أكثر أماناً.
ويشير إلى أن التحسن الذي شهدته الليرة خلال فترة الاستبدال ارتبط جزئياً بانخفاض السيولة نتيجة سحب كميات كبيرة من العملة القديمة، وهو عامل مؤقت قد يتلاشى مع عودة الكتلة النقدية إلى التداول، لتعود المحددات الاقتصادية التقليدية إلى فرض نفسها من جديد.
ورغم أن نجاح عملية الاستبدال يمنح مصرف سوريا المركزي صورة أوضح عن الكتلة النقدية وتوزعها، فإن ذلك لا يكفي لضمان استقرار الليرة، ما لم تتمكن الحكومة السورية الانتقالية من معالجة الاختلالات التي يعانيها الاقتصاد، وفي مقدمتها ضعف الإنتاج، واتساع فجوة الاستيراد، واستمرار محدودية تدفقات القطع الأجنبي.
وبينما تراهن السلطات النقدية على أن إغلاق ملف استبدال العملة سيمهد لمرحلة أكثر استقراراً، تبدو الأسواق أكثر حذراً. فالتجارب السابقة أظهرت أن سعر الصرف في سوريا لم يكن رهينة الإجراءات النقدية وحدها، بل ظل انعكاساً مباشراً لواقع اقتصادي هش، تتراجع فيه الثقة كلما غابت الإصلاحات الحقيقية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو نهاية استبدال العملة أقرب إلى نهاية مرحلة إدارية، لا نهاية الأزمة النقدية نفسها، إذ يبقى مستقبل الليرة مرتبطاً بقدرة الحكومة على استعادة الثقة بالاقتصاد، لا بالأوراق النقدية التي تحمل اسماً جديداً فقط.
اقرأ أيضاً: استبدال العملة السورية.. هل تنجح ثالث مهلة في إنهاء تداول الليرة القديمة؟