تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تحركاتها في المنطقة الجنوبية من سوريا دون أي قيود أو احتمالية للاشتباك مع القوات الحكومية السورية، ويبدو واضحاً أن دمشق باتت تسلم بالأمر الواقع الذي تفرضه “إسرائيل” بدعم من الإدارة الأمريكية فيما يخص الجنوب، ولا يبدو أن أياً من الأطراف الدولية يمكن أن يعمل بشكل جدي على مساعدة الحكومة السورية في إخراج القوات الإسرائيلية مما تسميه بـ “المنطقة الأمنية”، لكن أخطر المؤشرات التي تصل من المنطقة الجنوبية، هي اعتياد السكان المحليين على الوجود الإسرائيلي وقبول المساعدات المادية والعينية التي تقدم من قبل السلطات الإسرائيلية لسكان القرى التي تنتشر فيها، وذلك على الرغم من الممارسات التعسفية اليومية من قبل قوات الاحتلال والتي تصل حد إذلال المارة أثناء تفتيشهم من قبل الحواجز المؤقتة التي تقيمها القوات الإسرائيلية بين قرى الجنوب.
وبعد الأنباء التي تحدثت عن قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي بإدخال قطعان من الأبقار إلى منطقة “وادي الرقاد”، جنوب القنيطرة لفرض السيطرة بشكل نهائي على المنطقة، تقول معلومات حصلت عليها شبكة “داما بوست”، من مصادر في حوض اليرموك إن بعض من المستوطنين الإسرائيليين أدخل قطعان مواشي إلى المنطقة القريبة من “ثكنة الجزيرة”، وهي النقطة الأساسية للاحتلال الإسرائيلي في ريف درعا الجنوبي الغربي، ويبدو أن الاحتلال انتقل إلى مرحلة ترسيخ وجوده في المنطقة بشكل نهائي ويتخذ من أعمال رعاة المواشي والقطاع الزراعي مدخلاً لفرض الواقع الجديد في المنطقة، الأمر الذي يمهد من خلاله إلى بناء مستوطنات إسرائيلية في مناطق الجنوب، وتغيير شكل الحدود من خلال فرض أمر واقع لن تقوى دمشق على معاندته، حتى لو أرادت.
التوسع على حساب الأراضي السورية وزيادة مساحة الكيان الإسرائيلي لا تعتبر مسائل أمنية واقتصادية وحسب، فهي في حسابات قادة “إسرائيل” تنفيذ للمزاعم التاريخية لـ “إسرائيل”، بالأراضي السورية وإقامة “إسرائيل الكبرى”، التي تمتد من الفرات إلى النيل، وهذه الشعارات وإن بدت في مرحلة ما من التاريخ المعاصر غير قابلة للصرف إلا أن الأمر تبدل بشكل جذري منذ العام 2011، والذي باتت فيه الأهداف معلنة، وأخذت هذه الأهداف الكثير من العلنية بعد عملية طوفان الأقصى، إذ بدأت حكومة الاحتلال وبدعم غربي كبير في اتخاذ خطوات أكثر عدوانية ضد كل خصومها، واستخدمت كل القوة المتاحة لتنفيذ مخططها الذي طال انتظار تطبيقه، وما كانت عملية إسقاط النظام السوري بالصورة التي شهدها العالم إلا مجرد خطوة من الخطوات التي تتبلور فائدتها لـ “إسرائيل” يوماً بعد آخر، وهذا لا يعني إن نظام الأسد كان نظاماً جيداً، والحديث عن فائدة إسقاطه لـ “إسرائيل” لا يعني نهائياً محاولة الدفاع عنه.
فالحكومة الانتقالية ومنذ وصلها إلى سدة الحكم عقب إسقاط الأسد لم تتخذ أي خطوة فاعلة لوقف التمدد الإسرائيلي، وتؤكد المصادر العشائرية التي تواصلت معها “داما بوست”، أن دمشق تشدد على الفصائل المنتشرة في الجنوب وعلى القوات التابعة لها، على عدم الاحتكاك مع الكيان الإسرائيلي وعدم ممانعة أي من دورياته، وعدم الاقتراب من القواعد التي ينشأها في الجنوب، وتشدد خلال اتصالاتها مع وجهاء الجنوب السوري بضرورة منع تشكل أي نوع من أنواع المقاومة الشعبية، وعدم وجود أسلحة في القرى التي تشكل خط تماس مع المناطق التي احتلتها “إسرائيل” بعد سقوط نظام الأسد، وأن يترك الأمر للسياسة، إلا أن دمشق لم تقم بأي خطوة، ولم تقدم أي وعد بحل ملف المدنيين الذين تعتقلهم القوات الإسرائيلية ضمن سجونها في الأراضي الفلسطينية المحتلة والذين تم اعتقالهم من داخل الأراضي السورية خلال عمليات توغل متفرقة، ويتم إخضاعهم في السجون للقوانين الإسرائيلية باعتبارهم مقاتلين غير شرعيين وفقاً للمسميات الإسرائيلية.
ضمن هذه الأجواء تبدو التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال لقائه بالرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع على هامش أعمال قمة الناتو في تركيا قبل أيام، تأكيد على إن الحكومة السورية قابلة بالتغيير الحاصل وتنتظر أن يصرف الثمن على أرض الواقع من خلال المزيد من الدعم السياسي والاقتصادي لتثبيت أركان الحكم بصورته الحالية، وتكون مدة المرحلة الانتقالية المعلنة على إنها خمس سنوات مجرد مهلة لإتمام المهمة الأولى التي تقضي بإنهاء جميع أشكال المعارضة السياسية والحقوقية للحكومة الانتقالية، وضمن هذه الأجواء تبدو دمشق مرتاحة لمستقبلها، وجاهزة لتنفيذ كل المطلوب منها في إطار الوصول إلى هذا المستقبل.
هكذا تبدو مسألة تغير الخارطة السورية بشكل نهائي وإلى أجل غير معلوم، مسألة وقت فقط، وسيكون ثمة مثل هذه الخطوات منح دمشق الضوء الأخضر للمزيد من الممارسات التعسفية بحق المعارضين لها، والتغافل عن أي جريمة طائفية كـأحداث الساحل في آذار من العام الماضي، أو أحداث السويداء في تموز من العام الماضي أيضاً.
إقرأ أيضاً: تجاهل سوري لتصريح ترامب عن الجولان.. السيادة على هامش الانفتاح الأمريكي
إقرأ أيضاً: المعتقلون السوريون في سجون الاحتلال.. ملف تعجز دمشق عن حله