الكونغرس يعيد فتح ملف سوريا من بوابة الموازنة: دعم مشروط و”المقاتلون الأجانب” في قلب الحسابات الأميركية
في لحظة تبدو فيها السياسة الأميركية تجاه سوريا أقرب إلى إعادة ضبط دقيقة لا إلى تحول جذري، عاد ملف العلاقة مع دمشق إلى واجهة النقاش في واشنطن عبر نافذة الموازنة الدفاعية. لكن هذه العودة لا تحمل أي طابع انفتاح مجاني، بل تأتي محمّلة بشروط أمنية ثقيلة تعيد تعريف الدعم بوصفه أداة ضغط أكثر منه مسار تعاون.
ربط الدعم العسكري بشروط أمنية داخلية
أضافت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي بنداً جديداً إلى مشروع موازنة وزارة الدفاع، يقضي بربط أي دعم دفاعي موجه إلى الحكومة السورية الانتقالية بمدى التقدم في ملف نزع سلاح المسلحين الأجانب والجهاديين الموجودين داخل البلاد.
ويأتي هذا البند ضمن حزمة أوسع من التعديلات التي تتعامل مع الشرق الأوسط بوصفه ساحة أمنية مترابطة، حيث لا يُنظر إلى سوريا كملف منفصل، بل كجزء من شبكة اشتباك إقليمي تمتد من لبنان إلى غزة.
لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي
هندسة أمنية إقليمية: من غزة إلى بيروت وصولاً إلى دمشق
مشروع الموازنة لم يقتصر على سوريا، بل تضمن توسيع التعاون الدفاعي مع كيان الاحتلال في مجالات التكنولوجيا العسكرية، وتعزيز قدرات مواجهة الطائرات المسيّرة والحرب تحت الأرض، إضافة إلى تكليف مركز التنسيق المدني العسكري بالإشراف على ترتيبات وقف إطلاق النار في غزة ضمن هدف نزع سلاح حركة حماس بشكل كامل.
كما ربط التمويل الدفاعي للجيش اللبناني بمدى قدرته على مواجهة حزب الله، في إشارة إلى مقاربة أميركية تعتبر أن ساحات الصراع في المنطقة مترابطة أمنياً ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض.

سوريا تحت اختبار “المقاتلين الأجانب”
في الحالة السورية، يضع البند الجديد ملف المقاتلين الأجانب في صدارة الاشتراطات الأميركية، باعتباره معياراً لتحديد مستوى الدعم العسكري الممكن تقديمه للحكومة في دمشق.
هذا التوجه يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الملفات تعقيداً منذ سقوط النظام السابق، حيث تشير تقديرات سياسية وإعلامية إلى استمرار وجود مجموعات مقاتلة أجنبية داخل البنية العسكرية الجديدة، ما تعتبره واشنطن نقطة هشاشة أمنية وسياسية في آن واحد.
ويأتي ذلك في سياق ضغوط أميركية متصاعدة تطالب بإخراج هؤلاء المقاتلين كشرط لأي تخفيف إضافي للعقوبات أو توسيع في قنوات الدعم.
بين الدولة الناشئة وعبء التكوين العسكري
تتعامل المقاربة الأميركية مع الواقع السوري بوصفه مرحلة انتقالية غير مستقرة، حيث تتداخل محاولات بناء مؤسسات عسكرية جديدة مع إرث جماعات مسلحة متعددة الجنسيات لعبت أدواراً في الحرب ثم اندمجت جزئياً في التشكيلات الجديدة.
هذا التداخل يجعل الملف السوري، من منظور واشنطن، أقل شبهاً بعملية إعادة إعمار تقليدية، وأكثر قرباً من عملية “إعادة ضبط أمني” طويلة ومعقدة، تتطلب شروطاً تدريجية لا دعمًا مفتوحًا.
واشنطن: دعم مشروط في بيئة غير محسومة
المعادلة التي يرسمها مشروع الموازنة تعكس اتجاهاً واضحاً داخل المؤسسة التشريعية الأميركية: لا مساعدات عسكرية بلا مقابل أمني واضح، ولا انخراط سياسي دون معالجة ملف المقاتلين الأجانب باعتباره نقطة اختبار رئيسية.
وفي ظل هذا النهج، تبدو سوريا أمام واقع مزدوج؛ سلطة تسعى لتثبيت مؤسساتها العسكرية والأمنية، في مقابل شريك دولي يربط أي انفتاح إضافي بملفات لا تزال مفتوحة على احتمالات معقدة، ما يجعل مسار العلاقة بين الطرفين أقرب إلى اختبار طويل الأمد منه إلى تسوية قريبة.
اقرأ أيضاً: زيارة الشرع إلى واشنطن.. هل تُطرح على دمشق مقايضة لبنان مقابل رفع العزلة؟