الفيش الأمني في سوريا.. لماذا تبقى قيود النظام السابق بعد سقوطه؟

لم تنتهِ جميع القيود والقرارات التي صدرت خلال السنوات السابقة بمجرد تغير الجهة التي أصدرتها، إذ ما تزال بعض موانع السفر والطلبات القضائية والقيود الأمنية تظهر في حالات متفرقة عند مراجعة المنافذ الحدودية. وفي سوريا، يمكن لقيد قديم يظهر على شاشة في مطار أو معبر أن يوقف إجراءات السفر مؤقتاً، ويدفع صاحبه إلى مراجعة الجهة المرتبطة بالطلب للتأكد من وضعه القانوني واستكمال إجراءات رفعه أو تحديثه.

وبينما تؤكد الحكومة السورية الانتقالية أن آلاف الملفات القديمة تخضع للمراجعة وأن معظم القيود السابقة أزيلت، تكشف حالات مواطنين استمرار ظهور قيود مرتبطة بالنظام السابق، حتى بعد صدور قرارات قضائية بوقف البحث أو تسوية الالتزامات المالية والوظيفية. وهنا تبدو المشكلة أبعد من مجرد بقاء أسماء في قواعد البيانات؛ إنها فجوة بين القرار وتنفيذه، وبين مؤسسة تُنهي الملف وأخرى لا يصلها خبر انتهائه.

قرار أُلغي.. وقيد لم يصل إلى الشاشة

يقول سمير جلول، مفتش في الإدارة المركزية بوزارة العدل، إن لجاناً قضائية متخصصة تعمل على مراجعة عشرات آلاف الملفات والأحكام الصادرة عن المحاكم الاستثنائية، بما فيها محاكم الميدان العسكرية ومحاكم الإرهاب، إلى جانب لجان مشتركة مع وزارة الداخلية لإزالة الطلبات الأمنية التي شملتها قرارات العفو أو ثبت أنها صدرت دون وجه حق.

وتشير الإجراءات إلى انخفاض عدد الطلبات السابقة، لكن ضخامة الملفات وتعقيدها يجعلان عملية تصفية الإرث القانوني للنظام السابق بطيئة ومتشعبة.

وفي المنافذ الحدودية، يوضح مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، أن الهيئة لا تملك صلاحية شطب الطلبات، وإنما يظهر أمام موظفيها القيد المسجل لدى الجهة المختصة، ليُطلب من المسافر مراجعتها وتسوية وضعه.

وهكذا قد ينتهي القرار في وزارة أو محكمة، بينما يبقى أثره عالقاً في سجل مؤسسة أخرى.

المواطن يدفع ثمن الدائرة المغلقة

تظهر هذه الفجوة بوضوح في تجربة فاتح دياب، الموظف السابق في مصرف سوريا المركزي، الذي عاد إلى سوريا بعد سنوات في الخارج، ليكتشف عند دخوله عبر معبر نصيب وجود ثلاثة قرارات منع سفر بحقه مرتبطة بجهة عمله السابقة.

بدأت رحلة المراجعات بين المصرف والهجرة والجوازات والجهات القضائية، قبل أن يتمكن من رفع موانع السفر. لكن براءة الذمة الوظيفية بقيت عالقة بعدما أُبلغ بأن إضبارته مفقودة.

في حالة أخرى، واجه الكاتب والمفكر محي الدين لاذقاني المشكلة رغم حصوله على قرار قضائي بكف البحث عنه. فقد استمر اسمه بالظهور عند السفر في رحلات لاحقة، واضطر في كل مرة إلى إبراز القرار والتواصل مع الجهات المختصة حتى يتمكن من المغادرة.

أما إسماعيل الإسماعيل، الموظف السابق في المصرف الصناعي، فدخل في مسار مختلف بدأ بقضية وظيفية وسلفة مالية قال إنه سددها وحصل على براءة ذمة بشأنها، لكنه فوجئ باستمرار دعوتين قضائيتين بحقه. ويقول إن محاولة إغلاق الملف اصطدمت بمطالبات مالية غير رسمية من محامي المصرف، وهي رواية تحتاج إلى تحقيق ومساءلة من الجهات الرقابية المختصة.

إرث لا يكفي إلغاؤه على الورق

المشكلة، إذاً، لا تنتهي بإصدار قرار قضائي أو إداري. فكل قرار يحتاج إلى أن ينتقل إلى السجلات والأنظمة المرتبطة به، وإلا بقي المواطن أسيراً لفارق زمني ومؤسسي قد يمتد سنوات.

وهذا هو الجانب الأكثر قتامة في ملف الفيش الأمني: أن يتحول المواطن إلى ساعي بريد بين المؤسسات، يحمل قراراً يثبت انتهاء قضيته إلى جهة يفترض أنها تعرف بانتهائها.

ومع انتقال إدارة هذا الملف إلى الحكومة السورية الانتقالية، تبرز أمام المؤسسات المعنية مهمة استكمال مراجعة القيود والطلبات السابقة والتأكد من تحديثها في مختلف السجلات والجهات المرتبطة بها. ولا تتوقف المعالجة عند إصدار قرارات رفع القيود، بل تتطلب ضمان وصولها وتنفيذها بصورة متزامنة، بما يحد من تكرار المراجعات ويجنب المواطنين الوقوع في مسارات إدارية طويلة لإثبات وضع قانوني سبق أن جرى حسمه.

وتؤكد وزارة العدل استمرار العمل على تصفية آلاف الملفات، لكن نجاح هذه العملية لن يقاس بعدد القرارات الصادرة وحده، بل بعدم ظهور القيد مجدداً أمام صاحبه عند الحدود.

فحين يُحسم الملف قانونياً ويبقى حاضراً على شاشة موظف الجوازات، لا تكون المشكلة في الماضي وحده؛ بل في مؤسسة لم تنجح بعد في إغلاقه.

 

اقرأ أيضاً: وزارة العدل السورية: جهود حثيثة لإزالة ملايين إشارات منع السفر

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.