تجاهل سوري لتصريح ترامب عن الجولان.. السيادة على هامش الانفتاح الأمريكي
حمل تصريح دونالد ترامب عن الجولان أمام الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع معنى سياسيا مباشرا.
قال ترامب، خلال اللقاء في أنقرة، إن أي رئيس أمريكي لم يقدم لـ”إسرائيل” ما قدمه هو، مستشهدا بالقدس ومرتفعات الجولان، والصحافة “الإسرائيلية” التقطت حساسية المشهد، فالرئيس أمريكي يتباهى بالاعتراف بالسيادة “الإسرائيلية” على الجولان وهو جالس إلى جانب رئيس سوريا.
المشكلة لا تقف عند العبارة الأمريكية، فالسؤال الأهم يتصل بالاستجابة السورية، فلم يتحول التصريح إلى عنوان رسمي سوري، ولم تظهر في الساعات الأولى صياغة سورية مقابلة تؤكد أن الجولان أرض سورية محتلة، أو تربط أي انفتاح أمريكي بموقع الجولان في السيادة السورية.
في المقابل، تصدرت المواد الرسمية السورية عناوين الترحيب ببدء مسار شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتقدير قرار ترامب رفع العقوبات، والحديث عن انتقال العلاقات السورية – الأمريكية من العقوبات إلى الشراكة.
التجاهل بوصفه موقفا سياسيا
التجاهل لا يخفف من خطورة التصريح، بل يضاعفها، فحين يتباهى رئيس أمريكي، أمام رئيس سوري، بأنه منح “إسرائيل” اعترافا بالجولان، ثم لا يظهر رد سوري مباشر يضع المسألة في إطارها القانوني والسيادي، يصبح الصمت جزءا من الحدث نفسه.
لم تعد المشكلة محصورة في كلام ترامب، بل امتدت إلى عجز الخطاب السوري عن حماية الحد الأدنى من المعنى الوطني في لحظة علنية ومصورة.
غطى ملف رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب على جرح الجولان، وتحول المكسب الدبلوماسي المنتظر إلى ستار سياسي حجب سؤالا أكثر جوهرية، فما قيمة الانفتاح الأمريكي إذا كان يبدأ من تجاهل أرض سورية محتلة؟
أزاح الخطاب السوري الرسمي الجولان من مركز الحدث، وترك ملف الاندماج الدولي يبتلع لحظة سيادية كان يفترض أن تكون فاصلة، ولم يكن الأمر مجرد سوء تقدير إعلامي، بل كشفا لانزياح سياسي، فالأرض المحتلة صارت هامشا أمام أولوية الاعتراف الخارجي.
هذا الصمت منح التصريح الأمريكي وزنا إضافيا، فالكلام الصادر عن ترامب كان عدوانيا في رمزيته، لكن التجاهل السوري جعله أكثر خطورة، لأنه ترك الجغرافيا السورية المحتلة بلا حماية سياسية في لحظة علنية.
لم يعد السؤال متعلقا بترامب وحده، بل بقدرة الخطاب السوري الجديد على الدفاع عن الحد الأدنى من السيادة حين تصطدم هذه السيادة بمطلب الاعتراف الأمريكي.
الجولان كعقدة في المجال السوري
الجولان ليس ملفا حدوديا محدودا، فهو عقدة جيوسياسية في المجال السوري، وموقعه المرتفع يجعله نقطة مراقبة وتحكم بين جنوب سوريا وشمال فلسطين المحتلة ولبنان والأردن، وقيمته لا تنحصر في المساحة، بل في وظيفته داخل شبكة الأمن والمياه والطرق والتوازن العسكري.
من يسيطر على الجولان يمتلك قدرة ضغط دائمة على دمشق، ويمتلك موقعا متقدما في الصراع على المشرق.
يشكل الجولان اختبارا لتعريف الدولة السورية نفسها التي لا تُقاس بوجود العاصمة وحدها، بل بقدرتها على وصل المركز بالأطراف الاستراتيجية، وعندما يصبح الجولان خارج الخطاب الرسمي في لحظة دولية حساسة، تظهر فجوة بين فكرة الدولة ككيان قانوني وفكرة الدولة كقوة داخل المجال.
القانون يمنح سوريا سندا واضحا، حيث اعتبر قرار مجلس الأمن 497 أن فرض “إسرائيل” قوانينها وإدارتها على الجولان السوري المحتل باطل ولاغ ومن دون أثر قانوني دولي، لكن السند القانوني وحده لا يصنع سياسة فعالة إذا انفصل عن القدرة والمبادرة والدبلوماسية النشطة.
أنقرة كمسرح لإعادة ترتيب المجال السوري
جاء التصريح في أنقرة، وهذه نقطة مركزية، لأن تركيا ليست خلفية محايدة للقاء، فهي قوة حدودية تملك نفوذا مباشرا في الشمال السوري، وتحاول تثبيت موقعها بوصفها بوابة إلزامية لأي هندسة سياسية جديدة في سوريا.
اجتماع ترامب والشرع هناك يعني أن سوريا تدخل مرحلة إعادة التموضع عبر عاصمة خارجية تمتلك مشروعها الخاص في المجال السوري.
في هذه اللحظة، ظهر توزيع ضمني للأدوار، فتركيا بوابة الشمال و”إسرائيل” صاحبة اليد العليا في الجنوب، والولايات المتحدة ضامن الانتقال من العقوبات إلى الشراكة.
ظهرت سوريا في مشهد أنقرة بحضور سياسي محدود الأثر، لا كطرف يفرض قضيته السيادية على الطاولة، فلم يكن الخلل في موقع واشنطن وحدها، بل في قبول الخطاب السوري بأن يتحول الجولان إلى ملف صامت داخل لحظة يفترض أن تكون اختبارا للسيادة.
بدا المشهد كأن الاعتراف والانفتاح الاقتصادي أهم من تثبيت الموقف الوطني من أرض محتلة
الصمت السوري وحدود الشرعية الجديدة
تحتاج السلطة السورية الجديدة إلى شرعيتين في وقت واحد، داخلية تقوم على استعادة الدولة والخدمات والأمن، وخارجية تقوم على إنهاء العزلة وتطبيع العلاقات وفتح الاقتصاد.
أمام تصريح يمس الجولان مباشرة، لم يصدر عن سلطة دمشق رد يوازي حساسية اللحظة، فظهر الخطاب السوري كأنه يقبل بإزاحة السيادة إلى الخلفية حين يفتح الباب أمام الاعتراف الأمريكي، وهذه ليست براغماتية سياسية، بل تراجع في إدارة المعنى الوطني للدولة، لأن السيادة التي تُؤجل في اللحظة العلنية تتحول تدريجيا إلى ملف قابل للمساومة الصامتة.
خطورة المسألة في أن الصمت السوري يمس الشرعية الداخلية، فوضع الجولان خارج مركز المعنى الوطني في لحظة كان يفترض أن تستدعي ردا مباشرا، فالسوري لا يرى في الجولان شعارا من الماضي، بل اختبارا مستمرا لحدود الدولة وقدرتها على الدفاع عن أرضها.
أي سردية وطنية جديدة تفقد تماسكها عندما تبدأ بتجنب أكثر القضايا السيادية حساسية، لأن الدولة التي تصمت أمام المساس بأرضها المحتلة لا تستعيد معناها، بل تكشف هشاشة هذا المعنى أمام ضغط الخارج.
المقاربة الأمريكية: استقرار بلا سيادة كاملة
تتعامل واشنطن مع سوريا الجديدة من زاوية الاستقرار الوظيفي، وبوصفها مساحة يجب ضبطها وإعادة إدماجها وفق شروط الأمن الإقليمي الذي تهيمن عليه “إسرائيل” والولايات المتحدة، وليس بوصفها دولة ينبغي أن تستعيد مجالها السيادي كاملا.
الجولان يقع داخل تعريف مختلف مرتبط بأمن “إسرائيل”، ويصبح الاعتراف الأمريكي بضم الجولان جزءا من البنية الثابتة للسياسة الأمريكية، حتى مع فتح صفحة جديدة مع “دمشق”.
تفسر هذه الزاوية التناقض الظاهر في مشهد أنقرة، فترامب يمدح الشرع، ويتحدث عن إعادة بناء سوريا، ويتجه إلى شطبها من قائمة الإرهاب، ثم يتباهى أمامه بأحد أكثر القرارات مساسا بسيادة سوريا.
التناقض هنا ليس عارضا، بل صيغة الحكم الأمريكي للمنطقة؛ إدماج الدول عندما تضبط سلوكها، وتثبيت خرائط القوة عندما تتعلق ب”إسرائيل”.
من السيادة القانونية إلى السيادة الفعلية
تكشف هذه اللحظة أن غياب الرد السوري لم يكن مسألة شكلية مرتبطة ببيان رسمي، بل علامة على خلل أعمق في إدارة ملف الجولان داخل مسار الانفتاح مع واشنطن.
حين يُترك الجولان خارج مركز الخطاب في لقاء علني يمس السيادة مباشرة، يظهر كأن العلاقة الجديدة مع الولايات المتحدة تقوم على فصل خطير بين الاعتراف السياسي الخارجي والحق السوري في الأرض المحتلة.
يصبح الصمت في هذه الحالة مؤشرا إلى قبول ضمني بإبقاء الجولان خارج جدول الاشتباك السياسي المباشر.
هذا الفصل بين الانفتاح والسيادة يفتح باباً أوسع لفهم موقع سوريا في المعادلة الجديدة، فالعلاقة مع واشنطن لا تظهر كمسار يعيد للدولة السورية حضورها الكامل، بل دمج مشروط يطلب منها ضبط موقعها داخل هندسة إقليمية قائمة، من دون الاقتراب من الملفات التي تعتبرها “إسرائيل مغلقة”.
الدولة التي تدخل مرحلة التعافي وهي تفقد لغتها السيادية لا تستعيد موقعها، بل تنتقل إلى شكل من التبعية الناعمة، حيث يصبح الاعتراف الخارجي بديلا عن تثبيت الحق، ويصبح الانفتاح الاقتصادي غطاء لصمت سياسي تجاه الأرض المحتلة.
سلطة دمشق ربحت عنوانا أمريكيا في ملف الإرهاب والعقوبات، لكنها تركت فراغا رمزيا وسياديا في ملف الجولان الذي سيبقى معيارا لجدية أي مشروع سوري جديد.
الدولة التي تريد العودة إلى النظام الدولي تحتاج إلى اقتصاد واستثمارات واعتراف، لكنها تحتاج أيضا إلى خطاب سيادي واضح، وتصريح ترامب في أنقرة كشف حدود الانفتاح الأمريكي وحدود الاستجابة السورية.
بين المكسب الدبلوماسي والجرح الجغرافي، اختارت سلطة دمشق الصمت، فهي دولة تبحث عن الخروج من العزلة وتثبيت شرعية دائمة، بينما يختبر المجتمع السوري قدرتها على الدفاع عن معنى السيادة.
الجولان .. تجاهل سوري وحدود الانفتاح
المصدر: موقع سوريا الغد
إقرأ أيضاً: ترامب يلوّح بإزالة سوريا من قائمة الإرهاب… هل يتحول ملف حزب الله إلى بوابة التقارب مع واشنطن؟
إقرأ أيضاً: ترامب مصرٌ على إشعال حرب جديدة.. المعركة مع حزب الله واحتمالاتها



