زراعة العنب في سوريا تتراجع.. كلفة مرتفعة وتسويق يبدد عائد المزارعين
تدخل زراعة العنب في درعا وحمص موسماً جديداً وسط معادلة تزداد اختلالاً: كلفة ترتفع على امتداد العام، من تأسيس الكروم وخدمتها إلى المبيدات والمياه والحراسة، في مقابل محصول يبقى سعره رهناً بسوق لا يضمن للمزارع استرداد ما أنفقه. وبينما يمثل العنب مورداً أساسياً لعائلات واسعة في ريف حمص، تكشف أرقام درعا مساراً أكثر قسوة، مع تقلص المساحات والإنتاج واتجاه بعض المزارعين إلى اقتلاع كرومهم واستبدالها بمحاصيل أقل كلفة.
ولا تبدو المشكلة مرتبطة بموسم واحد، بل بتراجع قدرة السياسة الزراعية على حماية محصول يحتاج إلى استثمار طويل الأمد، فيما تظل أدوات التسويق والتصنيع والتصدير محدودة، ويقتصر الدعم الحكومي في كثير من الحالات على الإرشاد والوقاية.
درعا.. الكروم تخسر أمام كلفة الإنتاج
يقول المزارع مخلص الحوراني إن خدمة العنب خلال تموز وآب تتطلب عمليات رش متقاربة، قد تفصل بينها أسبوع أو عشرة أيام، لحماية المحصول من الأمراض الفطرية والآفات. ويقدر كلفة المبيدات وحدها بنحو 140 إلى 150 دولاراً، من دون احتساب الأسمدة وأجور العمال وبقية أعمال الخدمة.
وتزداد الفجوة مع شراء جزء من المستلزمات بالدولار، بينما يباع المحصول بالليرة السورية، ما يجعل المزارع معرضاً لخسارة هامش الربح حتى عندما يكون الإنتاج جيداً.
وتشير بيانات مديرية زراعة درعا إلى حجم التراجع: من نحو 62 ألف طن من العنب عام 2011 إلى قرابة 11.5 ألف طن عام 2024، فيما تقلصت المساحات المزروعة من نحو 2720 هكتاراً إلى نحو 604 هكتارات وفق أحدث البيانات المنشورة.
ويربط مزارعون هذا التراجع بارتفاع تكاليف تأسيس الكروم وخدمتها وتأمين المياه والمكافحة، إضافة إلى ضعف الجدوى الاقتصادية. ويقول وليد أبو محمد، من مزارعي طفس، إن بعض أصحاب الكروم اتجهوا إلى اقتلاعها وزراعة الزيتون والرمان ومحاصيل أخرى يرونها أقل كلفة وأكثر قدرة على تحمل أعباء الموسم.
دعم إرشادي لا يعوض كلفة المزارع
تقول مديرية زراعة درعا إنها تقدم ندوات وأياماً حقلية ومدارس للمزارعين، إضافة إلى مصائد فرمونية تساعد في رصد الآفات وتحديد الحاجة إلى المكافحة.
لكن هذا النوع من الدعم لا يعالج المشكلة التي يطرحها المزارعون مباشرة: كلفة الأسمدة والمبيدات والمياه واليد العاملة والطاقة. فالمزارع يحتاج إلى سيولة فعلية قبل أن يحتاج إلى توصية إرشادية، خصوصاً في محصول طويل الدورة لا يمكن تعويض خسارته بسهولة.
ويشير مهندسون زراعيون إلى أن تأسيس كروم العنب يتطلب أعمدة بيتونية وأسلاكاً ومنظومة تربية، قبل بدء سلسلة طويلة من أعمال التقليم والرش والري والخدمة. ومع ارتفاع كلفة هذه المدخلات، تصبح إعادة الاستثمار في بستان جديد أكثر صعوبة.
حمص.. محصول أساسي بلا منفذ كافٍ
في ريف حمص، وخصوصاً منطقة المشرفة، يحتل العنب موقعاً رئيسياً في دخل العائلات الزراعية. ويقول المزارع حبيب الأشقر إن المشكلة الأبرز تظهر عند التسويق، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المبيدات والحراسة، بينما قد تهبط أسعار البيع إلى مستويات لا تتناسب مع ما أنفقه المزارع طوال الموسم.
ويطالب مزارعون بوضع حد أدنى للسعر يستند إلى دراسة حقيقية للكلفة، إلى جانب إنشاء منافذ للتصنيع الزراعي، مثل معامل العصائر، لاستيعاب جزء من الإنتاج بدلاً من دفع كمياته دفعة واحدة إلى السوق.
ويشير رئيس الجمعية الفلاحية في المشرفة سامر قاروط إلى أن قلة الأمطار أثرت في بعض الأشجار، بينما بقي التسويق العقبة الأبرز، مع غياب منشآت تصنيعية تستوعب الفائض. كما يوضح أن الجمعية رفعت احتياجات المزارعين من المستلزمات والأدوية، من دون أن يصلها الدعم المطلوب حتى الآن.
زراعة طويلة.. وسياسة قصيرة
تتلاقى صورة درعا وحمص عند مشكلة واحدة: المزارع يتحمل كلفة الإنتاج كاملة، بينما يواجه السوق وحده عند لحظة البيع. وحين لا توجد قدرة تخزينية أو منافذ تصنيع أو أسواق تصدير كافية، تتحول زيادة الإنتاج نفسها إلى عامل ضغط على السعر.
وتبدو مسؤولية الحكومة الانتقالية هنا أبعد من تقديم الإرشاد أو متابعة الآفات. فاستمرار زراعة العنب يحتاج إلى سياسة متكاملة تربط الإنتاج بالتسويق والتصنيع والتصدير، وتوفر للمزارع أدوات تخفف كلفة المياه والطاقة والمستلزمات، بدلاً من تركه يواجه السوق بعد أن يكون قد أنفق موسماً كاملاً.
فالكرمة لا تُزرع لموسم واحد، واقتلاعها قرار قد يستغرق سنوات قبل أن يمكن تعويضه. وإذا استمرت المعادلة الحالية، فإن خسارة المزارع لن تكون في سعر محصول منخفض فحسب، بل في تراجع مساحة زراعية يصعب استعادتها لاحقاً.
اقرأ ايضاً: إتلاف محاصيل زراعية في حماة بسبب تراجع الأسعار