أسعار المحروقات في سوريا.. صدمات الخارج تكشف هشاشة إدارة الطاقة محلياً
لم تعد أسعار المحروقات في سوريا تتحرك وفق معادلة محلية يمكن ضبطها بسهولة، بل أصبحت رهينة شبكة واسعة من المتغيرات تبدأ من سعر النفط العالمي ولا تنتهي عند أبواب محطات الوقود. وبين الشحن والتأمين والتكرير وسعر الصرف والإنتاج المحلي وقدرة الموازنة على الدعم، تبدو السوق السورية شديدة الحساسية لأي اضطراب خارجي، فيما لا تزال الحكومة الانتقالية تملك أدوات محدودة لامتصاص انعكاساته.
وتزداد الضغوط مع اضطراب أسواق الطاقة والتوترات العسكرية في الشرق الأوسط، ولا سيما المخاطر التي تحيط بممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز. ومع تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل في أحدث موجة ارتفاع، عادت كلفة تأمين الإمدادات إلى الواجهة، لتجد سوريا نفسها أمام سوق عالمية لا تملك السيطرة عليها، واقتصاد محلي لا يزال عاجزاً عن تأمين كامل احتياجاته.
النفط والتكرير.. البداية من الخارج
يشكل النفط الخام نقطة الانطلاق الأساسية في تكلفة الوقود، لكن السعر النهائي لا يتحدد به وحده. فتكاليف التكرير والشحن والتأمين ونقص المشتقات قد ترفع أسعار البنزين والمازوت حتى عندما لا يتحرك الخام بالمقدار نفسه.
وتزداد المشكلة بالنسبة إلى سوريا مع محدودية الطاقة التكريرية. فمصفاتا بانياس وحمص لم تتمكنا خلال السنوات الماضية من تغطية احتياجات السوق، بينما تتواصل أعمال إعادة تأهيل مصفاة بانياس لرفع قدرتها من نحو 80 ألفاً إلى قرابة 130 ألف برميل يومياً.
هذا التأخر في استعادة القدرة التكريرية يعني استمرار الاعتماد على الخارج، وبالتالي استمرار انتقال جزء كبير من تقلبات الأسواق العالمية إلى المستهلك السوري.
إنتاج يتحسن.. وفجوة الاستيراد باقية
بلغ إنتاج النفط السوري نحو 100 ألف برميل يومياً مقابل استهلاك يقدر بنحو 300 ألف برميل، ما يبقي فجوة واسعة تحتاج إلى الاستيراد. وخلال النصف الأول من 2026، تجاوز الإنتاج 14 مليون برميل من الخام، إلى جانب 1.429 مليار متر مكعب من الغاز، مع إعادة تشغيل 152 بئراً وإدخال 10 آبار جديدة.
لكن الأرقام لا تخفي استمرار الحاجة إلى الخارج، إذ استوردت سوريا خلال الفترة نفسها 1.5 مليون طن من النفط الخام، و598 ألف طن من المازوت، و283 ألف طن من البنزين، و196 ألف طن من الغاز المنزلي المسال، إضافة إلى أكثر من مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.
وتعني هذه الفجوة أن أي ارتفاع في النفط أو الشحن أو التأمين يتحول سريعاً إلى كلفة إضافية داخل السوق السورية.
سعر الصرف والموازنة.. عبء إضافي
لا تتوقف المعادلة عند الطاقة. فسعر الصرف يحدد قيمة التكلفة الخارجية بالليرة السورية، بينما تحدد الموازنة مقدار ما تستطيع الدولة امتصاصه عبر الدعم.
وتكشف أرقام النصف الأول من 2026 عن إيرادات بنحو 2.695 مليار دولار مقابل إنفاق بلغ 3.7 مليارات، ما يعكس هامشاً مالياً ضيقاً أمام سياسة دعم واسعة. وفي ظل ارتفاع الإنفاق، تصبح قدرة الحكومة الانتقالية على كبح الأسعار أكثر محدودية، خصوصاً عندما تتزامن الصدمات الخارجية مع ضعف الموارد المحلية.
وقد حاولت وزارة الطاقة معالجة ذلك عبر لجنة دائمة لتحديد أسعار المواد البترولية، ثم الانتقال في تموز إلى مراجعة يومية للمتغيرات، مع تعديلات صعوداً وهبوطاً بحسب الكلفة. غير أن هذه الآلية تظل أقرب إلى إدارة نتائج الأزمة منها إلى معالجة أسبابها.
المحروقات تضرب الاقتصاد كله
لا ينتهي أثر ارتفاع الوقود عند سعر اللتر. فزيادة المحروقات ترفع كلفة النقل وتشغيل الآلات والمولدات، ثم تنتقل إلى الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات وأسعار الغذاء والسلع، وصولاً إلى تآكل القدرة الشرائية.
ويرى الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل أن استمرار ارتفاع النفط والشحن والتأمين، مع بطء نمو الإنتاج المحلي، يرجح مزيداً من الضغوط السعرية، بينما قد يتيح تحسن الإنتاج والتكرير وانخفاض الأسعار العالمية مساحة محدودة للاستقرار.
وتكشف هذه المعادلة ضعفاً بنيوياً في إدارة ملف الطاقة: سوريا تحتاج إلى النفط لتشغيل اقتصادها، لكنها لا تنتج ما يكفي منه، ولا تملك بعد قدرة تكريرية كافية، ولا تمتلك هامشاً مالياً واسعاً لتعويض الفارق.
لذلك، فإن تخفيضات الأسعار المؤقتة، مهما بدت مهمة، لا تستطيع وحدها تغيير المشهد. ما تحتاجه السوق هو زيادة حقيقية في الإنتاج، وتسريع إعادة تأهيل المصافي، وتقليص كلفة النقل والاستيراد، وإدارة أكثر كفاءة للدعم والتسعير. أما إبقاء الملف في دائرة المراجعات السعرية، من دون معالجة فجوة الطاقة نفسها، فيعني أن المحروقات ستبقى مرآة لعجز اقتصادي أوسع، يدفع المواطن كلفته كلما تحرك النفط في مكان آخر من العالم.
اقرأ أيضاً: أزمة المحروقات تعود إلى الواجهة في سوريا.. تبريرات رسمية أمام طوابير لا تنتهي