بين المراجعة والإقرار..39 تشريعاً في أول إختبار أمام مجلس الشعب

تستعد الحكومة السورية لطرح واحدة من أوسع حزم التشريعات المالية في سوريا منذ بدء المرحلة الانتقالية، بعدما أعلن وزير المالية محمد يسر برنية إنجاز 39 مشروع قانون ومرسوماً مالياً، إلى جانب مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2027.

وتشمل الحزمة المرتقبة النظام المالي الأساسي، وإعادة صياغة المنظومة الضريبية، ورسوم الخدمات، إلى جانب إصلاحات تشريعية تتعلق بالقطاع المالي، في وقت تعمل فيه الحكومة على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتنظيم الإطار القانوني والاقتصادي بعد سنوات من الحرب والانهيار.

ويضع حجم هذه الحزمة وتنوعها مجلس الشعب السوري أمام اختبار يتجاوز إقرار القوانين، إذ ستشكل طريقة مناقشتها والتعامل معها مؤشراً على طبيعة الدور الذي يمارسه المجلس في المرحلة الانتقالية، ومدى قدرته على ممارسة صلاحياته التشريعية والرقابية.

39 تشريعاً لإعادة تنظيم المالية العامة

قال وزير المالية محمد يسر برنية، السبت، إن الوزارة عملت خلال الأشهر الماضية، بتوجيه من الرئاسة السورية، على إعداد ما وصفها بـ”منظومة متكاملة” من التشريعات المالية الحديثة، تمهيداً لعرضها على مجلس الشعب.

وتتضمن الحزمة 39 قانوناً ومرسوماً مالياً، إضافة إلى مشروع قانون الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2027.

وبحسب برنية، تتوزع مشاريع التشريعات على مجموعة من الملفات الرئيسية، في مقدمتها النظام المالي للدولة، وإعادة صياغة النظام الضريبي، ورسوم الخدمات، وإصلاح البيئة التشريعية المنظمة للقطاع المالي.

وتعتزم الحكومة مناقشة هذه التشريعات وإقرارها خلال الأشهر المقبلة، ما يعني أن مجلس الشعب سيكون أمام جدول تشريعي واسع خلال فترة زمنية محدودة نسبياً.

وتكتسب هذه القوانين أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالحياة الاقتصادية، إذ يمكن أن تنعكس أحكام الضرائب والرسوم والإنفاق العام وإدارة المال العام على المواطنين والشركات والأسواق.

الحكومة تعد القوانين.. أين يبدأ دور مجلس الشعب؟

بحث وزير المالية خلال اجتماع عقده، الخميس 6 آب، مع رئيس مجلس الشعب عبد الحميد العواك ونائبه الأول مصطفى موسى وأمين السر مؤيد حبيب، النظام المالي للمجلس، إلى جانب التحضيرات الخاصة بمشروع موازنة سوريا لعام 2027 وتوجهات السياسة المالية.

وقال برنية إن الحكومة، باعتبارها جزءاً من السلطة التنفيذية، تتطلع إلى التعاون مع السلطة التشريعية وتسهيل دورها في “المساءلة والرقابة”.

إلا أن الدور الرقابي للمجلس لا يرتبط فقط باستقبال مشاريع القوانين أو الاستماع إلى عرض الحكومة، بل يبدأ بصورة أساسية عند انتقال المشاريع إلى اللجان المختصة ثم إلى جلسات المناقشة والتصويت.

وتشمل الممارسة البرلمانية في هذا السياق دراسة الأسس التي قامت عليها مشاريع القوانين، ومراجعة آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وطلب البيانات والمعلومات من الوزارات والجهات الحكومية، إلى جانب إمكانية إدخال تعديلات على النصوص قبل إقرارها.

ومن هذا المنطلق، فإن طريقة تعامل المجلس مع الحزمة المالية ستكون اختباراً مبكراً لمدى قدرته على الانتقال من مرحلة تأسيس مؤسساته وإجراءات عمله إلى ممارسة صلاحياته التشريعية والرقابية بصورة فعلية.

مجلس الشعب يبدأ تشكيل لجانه المتخصصة

يعمل مجلس الشعب حالياً على تشكيل لجان متخصصة لمناقشة مشاريع القوانين، من بينها لجنة الموازنة واللجان الاقتصادية والعدالة الانتقالية والحريات العامة والإعلام والدفاع والأمن والشؤون الدبلوماسية والقنصلية.

وتوفر هذه اللجان، من حيث المبدأ، مساحة متخصصة لدراسة مشاريع القوانين قبل إحالتها إلى جلسات التصويت، خصوصاً أن بعض التشريعات المالية تتداخل مع ملفات اقتصادية واجتماعية متعددة.

ويكتسب عمل اللجان أهمية خاصة في حالة التشريعات الضريبية، التي لا تحدد فقط حجم الإيرادات التي تحصل عليها الدولة، وإنما يمكن أن تؤثر أيضاً في قدرة الشركات على الاستثمار، ودخول الأفراد، والأسعار، والقدرة الشرائية، وطريقة توزيع العبء المالي بين مختلف الفئات.

أما الموازنة العامة للدولة، فتشكل اختباراً أكثر وضوحاً للعلاقة بين الحكومة ومجلس الشعب، كونها تحدد أولويات الإنفاق العام، وحجم الموارد المتاحة، ومصادر تمويل العجز، إضافة إلى القطاعات التي ستستحوذ على الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي.

وبالتالي، فإن أهمية الحزمة لا ترتبط بعدد القوانين التي سيقرها المجلس، بقدر ما ترتبط بمدى قدرته على دراسة مضمونها وتأثيراتها وإجراء التعديلات اللازمة عليها قبل إقرارها.

231 مادة تحدد قواعد عمل المجلس

كان مجلس الشعب قد أقر نظامه الداخلي بصيغته النهائية في 30 تموز، بعد التصويت على مواده البالغ عددها 231 مادة.

وبموجب النظام الداخلي، تمتد ولاية المجلس لمدة 30 شهراً، بما يتوافق مع أحكام الإعلان الدستوري.

ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه المؤسسات السورية في مرحلة إعادة التأسيس، ما يضع مجلس الشعب أمام مهمتين متزامنتين: الأولى تتمثل في بناء آليات العمل البرلماني وتنظيم أداء لجانه وجلساته، والثانية في التعامل مع مجموعة واسعة من مشاريع القوانين التي تحتاجها الحكومة لإعادة تنظيم مؤسسات الدولة.

وبحسب معلومات متقاطعة نشرتها وسائل إعلام  تعمل وزارات وهيئات حكومية على إعداد مسودات قوانين في قطاعات متعددة، تشمل الإعلام والحريات العامة والعدالة الانتقالية والمالية والموازنة والدفاع والأمن.

وإذا استمرت هذه الوتيرة، فإن الحزمة المالية المكونة من 39 تشريعاً قد تكون مجرد بداية أمام مجلس الشعب، الذي سيواجه خلال الفترة المقبلة مشاريع تشريعية إضافية أعدتها مؤسسات السلطة التنفيذية.

سرعة إعادة بناء الدولة مقابل وقت التشريع

تتمثل إحدى أبرز التحديات أمام العلاقة بين الحكومة ومجلس الشعب في التوفيق بين الحاجة إلى الإسراع بإعادة بناء الإطار القانوني للدولة، وبين حاجة السلطة التشريعية إلى الوقت الكافي لدراسة القوانين ومناقشة آثارها.

فالمرحلة الانتقالية تفرض على الحكومة اتخاذ قرارات سريعة في عدد كبير من الملفات، وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة وتشريعاتها بعد سنوات من التغييرات والاضطرابات.

في المقابل، تتطلب عملية التشريع دراسة متأنية لمشاريع القوانين، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بالضرائب والرسوم والموازنة والإنفاق العام، نظراً لانعكاساتها المباشرة على المواطنين والقطاع الخاص والأسواق.

ويطرح ذلك تساؤلاً حول كيفية إدارة العلاقة بين السرعة المطلوبة لإعادة بناء الدولة، والوقت الذي يحتاجه مجلس الشعب لممارسة دوره التشريعي والرقابي.

فهل تصبح الحاجة إلى الإسراع في إصدار القوانين عاملاً يحد من الوقت المخصص للنقاش البرلماني، أم يستطيع المجلس استخدام هذه المرحلة لتطوير آلية أكثر فاعلية لمراجعة مشاريع الحكومة وتعديلها؟

التشريعات المالية.. اختبار مباشر للرقابة البرلمانية

تكتسب الحزمة المالية أهمية إضافية لأن آثارها لن تقتصر على مؤسسات الدولة، بل ستنعكس بصورة مباشرة على المواطنين والشركات والأسواق.

فالسياسة الضريبية، على سبيل المثال، تحدد حجم الإيرادات التي تحصل عليها الدولة، لكنها في الوقت نفسه تؤثر في تكاليف الأعمال والاستثمار ودخل الأفراد والأسعار.

كما أن الموازنة العامة تكشف بصورة واضحة أولويات الحكومة، من خلال توزيع الإنفاق على القطاعات المختلفة، وتحديد الموارد المتاحة، وآليات التعامل مع العجز والاحتياجات العامة.

ولهذا، فإن قدرة مجلس الشعب على مناقشة هذه الملفات وطلب المعلومات والتفسيرات من الحكومة، ومراجعة السياسات المقترحة وإجراء تعديلات جوهرية عليها عند الحاجة، ستكون من أبرز المؤشرات على طبيعة دوره في المرحلة الانتقالية.

هل يمرر مجلس الشعب برنامج الحكومة؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية تسمح بالحكم بصورة مسبقة على كيفية تعامل مجلس الشعب مع الحزمة المالية، خصوصاً أن عدداً من لجانه لا يزال في مرحلة التشكيل، فيما لا تزال التجربة البرلمانية للمجلس في المرحلة الانتقالية في بدايتها.

لكن طريقة التعامل مع مشاريع القوانين الـ39 ستكون مؤشراً مهماً على طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في سوريا خلال المرحلة الانتقالية.

فإذا اقتصرت العملية على تقديم الحكومة لمشاريع القوانين ثم مناقشتها والتصويت عليها خلال فترة قصيرة، فقد يطرح ذلك تساؤلات حول مدى اتساع الدور التشريعي للمجلس في صياغة السياسات العامة.

أما إذا خضعت المشاريع لمناقشات تفصيلية داخل اللجان، وطلب المجلس بيانات وتبريرات إضافية من الحكومة، وأدخل تعديلات فعلية على النصوص المقترحة قبل التصويت، فقد يشكل ذلك مؤشراً على ممارسة برلمانية أكثر تأثيراً في صناعة التشريع والسياسة المالية.

وبين المسارين، تبدو الحزمة المالية المرتقبة وموازنة عام 2027 اختباراً مبكراً لمجلس الشعب، ليس فقط في قدرته على إقرار القوانين، وإنما في مدى قدرته على مناقشتها ومراجعتها وممارسة دوره الرقابي في مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية.

اقرأ أيضاً:مجلس الشعب السوري يعتمد نظامه الداخلي الجديد.. 231 مادة ما أهمها ؟

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.