من عرس إلى اشتباك مسلح.. حمص تغرق في فوضى السلاح

شهدت مدينة حمص جولة جديدة من العنف المسلح جراء مشاجرة عائلية اندلعت بين أفراد من عائلة البريكات، حيث بدأت بشرارة خلاف خلال حفل زفاف في بلدة كفرعايا يوم الجمعة الموافق 7 آب، وتطورت إلى مشادات وتوترات متكررة على مدار أيام 7 و8 و9 آب، لتنتهي باشتعال مواجهات عنيفة في منطقة التيسير الواقعة شمال حي البياضة

ووفقاً لما أعلنت عنه مديرية إعلام حمص، استخدم الأطراف المتنازعة الأسلحة النارية والقنابل اليدوية، ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 17 آخرين بجروح تفاوتت بين الخطرة والمتوسطة، وكان من بين المصابين نساء وأطفال، قبل أن تفارق طفلة الحياة متأثرة بإصابتها ليرتفع إجمالي حصيلة الضحايا إلى ثلاثة قتلى

وعلى خلفية هذه التطورات الدامية، أعلنت قيادة الأمن الداخلي عن تدخلها لاحتواء المواجهات، حيث دفعت بتعزيزات أمنية مكثفة إلى المنطقة ونفذت عمليات مداهمة لعدد من المنازل، مما أسفر عن توقيف 20 شخصاً من المتورطين، مع استمرار العمليات لملاحقة باقي المشاركين في الحادثة وتجسد هذه الواقعة خطورة انتشار السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية، حيث أصبحت الخلافات العائلية والاجتماعية البسيطة تتحول سريعاً إلى اشتباكات دموية تهدد حياة المدنيين

سلسلة من الاغتيالات وجرائم الاستهداف الطائفي

لا يمكن فصل حادثة حي البياضة عن المشهد الأمني العام في محافظة حمص، والتي تسجل ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الجرائم ذات الطابع الطائفي وتحذيرات مستمرة من تصاعد العنف الذي حصد أرواح 62 قتيلاً منذ شهر آذار

وتوضح تقارير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن عمليات القتل المباشر والمستهدف على يد مسلحين مجهولين باتت أبرز مظاهر العنف في المدينة، حيث ركزت في كثير من الأحيان على استهداف مدنيين علويين، إذ وثقت الوكالة مقتل أربعة عاملين علويين داخل أحد مستشفيات المدينة خلال شهر كانون الثاني من عام 2026 وفي الفترة ذاتها، قُتل رجل شيعي أثناء إغلاقه لمتجره، بينما شهد شهر شباط مقتل زوجين علويين، تلاه مقتل امرأة مسيحية في الحي ذاته، استناداً إلى تقرير لجنة الولايات المتحدة للحريات الدينية الدولية

كما كشفت وثائق صادرة عن وسائل إعلام ومنظمات محلية عن مقتل ما لا يقل عن 30 مدنياً في مدينة حمص خلال الشهرين الأولين من العام الحالي، عبر عمليات إطلاق نار واغتيالات منفذة داخل الأحياء السكنية وأماكن العمل والمنازل، وغالباً ما اتبع المهاجمون أسلوب الوصول على دراجات نارية وإطلاق النار مباشرة على الضحايا قبل الفرار من موقع الجريمة

ولم تتوقف الهجمات عند الاغتيالات الفردية، بل امتدت لتشمل تفجيرات استهدفت دور العبادة، ففي كانون الأول من عام 2025، وقع تفجير في مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب ذي الغالبية العلوية، ما أدى إلى مقتل ثمانية مدنيين وإصابة أكثر من 20 آخرين ورغم إعلان جماعة «سرايا أنصار السنة» مسؤوليتها عن التفجير، أوضحت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عدم قدرتها على التحقق من هذا الإعلان بشكل مستقل، فيما أعلنت السلطات لاحقاً عن احتجاز متهمين بالانتماء إلى تنظيم الدولة الإسلامية على خلفية التفجير

وفي حوادث ذات أبعاد مشابهة، أدى مقتل رجل وزوجته ينتميان إلى عرب بني خالد في بلدة زيدل خلال تشرين الثاني 2025 إلى اندلاع موجة عنف جديدة امتدت إلى أحياء ذات غالبية علوية في مدينة حمص وتبيّن لاحقاً بحسب وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن التحقيقات أثبتت كون جريمة زيدل ذات دوافع جنائية في الأصل، إلا أن تداعياتها سرعان ما اتخذت طابعاً طائفيّاً بفعل انتشار السلاح وغياب آليات الردع

غياب المحاسبة وتحديات الأمن الانتقالي

في مقابل هذا التصاعد في أعمال العنف، تؤكد وزارة الداخلية استمرار جهودها لضبط الأسلحة غير المرخصة وملاحقة الجناة، غير أن الوقائع الميدانية تعكس عجزاً واضحاً عن كبح جماح الفوضى واحتواء دوامة القتل المتكررة في المحافظة

فبرغم الوعود الرسمية بملاحقة المتورطين والمحاسبة، لم تترجم هذه التعهدات إلى إجراءات قاطعة تمنع تكرار الحوادث أو توفر الحماية للسكان وتضع هذه الأوضاع الحكومة الانتقالية أمام اختبار أمني حرج وإخفاق متواصل في إدارة الملف الأمني بحمص، حيث يظل انتشار السلاح وغياب المحاسبة الفعلية من العوامل الرئيسية التي تغذي حالة الاحتقان وتعمق الإرث الثقيل للانقسام الطائفي في المحافظة

اقرأ أيضاً:الكتلة الوطنية السورية تنتقد فصل موظفين في بانياس وحمص بتهمة أداء الخدمة العسكرية

اقرأ أيضاً:حمص تحت نار الانفلات: قنبلة أم جباب تعيد فتح ملف الجرائم الطائفية في سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.