مقالع حيان وبيانون.. إعادة الإعمار على حساب صحة السكان والمحاصيل
في حيان وبيانون بريف حلب الشمالي، لا يتوقف الغبار عند حدود المقالع الحجرية؛ إذ يعبر إلى المنازل والحقول، ويستقر فوق أشجار الزيتون والتين والعنب، في منطقة يقترب عدد سكانها من 100 ألف نسمة وتعتمد نسبة كبيرة من عائلاتها على الزراعة.
ومع تسارع أعمال الترميم وإعادة الإعمار وارتفاع الطلب على مواد البناء، عادت المقالع إلى العمل بوتيرة أكبر، لكن عودة النشاط الاقتصادي جاءت محمّلة بكلفة يدفعها السكان والمزارعون من صحتهم ومحاصيلهم، وسط أسئلة متزايدة عن فعالية الرقابة الحكومية وقدرتها على فرض الشروط البيئية التي يفترض أن ترافق هذا النشاط.
وبحسب محافظة حلب، يوجد في المنطقة 12 مقلعاً مرخصاً، فيما تستكمل 9 مقالع أخرى إجراءات الترخيص. وبينما تؤكد الجهات المعنية أن العمل يخضع لشروط فنية وبيئية، يقول الأهالي إن الغبار أصبح جزءاً يومياً من حياتهم.
ترخيص قائم ورقابة موضع سؤال
يصف سكان من حيان وبيانون انتشار الغبار بأنه يتجاوز حدود الإزعاج، متحدثين عن تأثيرات طالت صحتهم وأراضيهم الزراعية.
ويقول محمود محمد، من حيان، إن الأهالي يلاحظون ازدياد حالات الربو والمشكلات التنفسية، بالتزامن مع أضرار تصيب الأشجار والمحاصيل. بينما يشير حامد ياسين من بيانون إلى أن معظم المقالع تقع قرب مناطق سكنية وأراضٍ زراعية، وأن الغبار يصل إلى محاصيل التين والزيتون والعنب.
ولا يطالب السكان، بحسب إفاداتهم، بإغلاق المقالع أو تعطيل مصدر اقتصادي مرتبط بإعادة الإعمار، بل بإجراءات تجعل استمرار النشاط أقل ضرراً، من رش الطرق ومواقع العمل بالمياه إلى ضبط حركة الشاحنات والحفر والتحميل.
لكن المشكلة تبدو أكثر تعقيداً حين تكون الاشتراطات موجودة على الورق، فيما يبقى تطبيقها رهناً بفعالية الرقابة.
عضو المكتب التنفيذي في محافظة حلب يوسف واكي يقول إن المقالع تخضع لإشراف المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية، وإن التراخيص تتطلب موافقات من البيئة والزراعة والجهات المختصة. كما يؤكد أن المخالفات قد تقابل بالإنذار أو الإيقاف المؤقت وصولاً إلى الإغلاق.
وتشمل الإجراءات المفترضة رش مواقع العمل والطرق، صيانة الآليات، تغطية الشاحنات وتنظيم عمليات النقل، إضافة إلى الالتزام بالمسافات النظامية عن التجمعات السكنية.
غير أن تكرار الشكاوى من الغبار يطرح السؤال الأهم: هل تكفي الجولات التفتيشية والإجراءات القانونية إذا ظل أثرها على الأرض أقل من حجم الضرر الذي يصفه السكان؟
الزراعة تدفع الثمن
لا يقتصر أثر الغبار على الهواء. فالقطاع الزراعي، الذي يشكل مصدر دخل أساسي لعدد من سكان المنطقة، يتعرض لضغط إضافي.
المهندس الزراعي موسى البكر يوضح أن تراكم الغبار على الأوراق يحد من قدرة النباتات على إجراء التركيب الضوئي، ما يضعف نموها وإنتاجيتها، كما يمكن أن يؤثر في الأزهار والحشرات الملقحة، وفي مقدمتها النحل، وبالتالي في عملية العقد والإنتاج.
وتزداد المشكلة خلال الصيف، مع الجفاف وغياب الأمطار، إذ تبقى الجزيئات العالقة في الهواء لفترات أطول. وعلى المدى البعيد، يحذر البكر من أن تراكم الغبار في التربة قد يؤدي إلى تشكل طبقات طينية تحد من قدرتها على الإنتاج.
وهكذا يصبح المزارع عالقاً بين حاجتين متناقضتين: مواد بناء مطلوبة لإعادة إعمار ما تهدم، وأرض زراعية يحتاجها للبقاء.
الخطر الذي لا يُرى
أما صحياً، فيحذر اختصاصي الأمراض التنفسية محمد يوسف حسن من الجزيئات الدقيقة التي يمكن أن يحملها غبار المقالع إلى الجهاز التنفسي، ولا سيما السيليكا البلورية.
ويشير إلى أن التعرض المزمن قد يرتبط بأمراض تنفسية خطيرة، بينها السحار السيليسي والانسداد الرئوي المزمن، فضلاً عن تفاقم الربو والحساسية والالتهابات التنفسية. ويكون العمال والسكان القريبون من المقالع، إضافة إلى الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي، الأكثر عرضة للمخاطر.
وتبدو المفارقة واضحة: بلد يحاول ترميم بنيته المدمرة، لكنه قد يسمح في الوقت نفسه بأن تتحول بعض أدوات إعادة البناء إلى مصدر جديد للضرر.
إعادة الإعمار ليست إعفاءً من الرقابة
تؤكد محافظة حلب أن هناك حلولاً فنية متاحة، بينها رش المياه، تحسين الطرق، تغطية الشاحنات، تخفيف سرعة الآليات وإنشاء أحزمة نباتية، كما تشير إلى العمل على تطوير آليات تنظيم استثمار المقالع.
لكن استمرار شكاوى السكان يعني أن المشكلة لا تحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر ما تحتاج إلى رقابة قابلة للقياس: عدد جولات التفتيش، نتائجها، المخالفات المسجلة، العقوبات المنفذة، ومستوى الالتزام الفعلي بكل مقلع.
فإعادة الإعمار لا تعني أن تصبح صحة السكان بنداً ثانوياً في فاتورة البناء، ولا أن تتحول الأراضي الزراعية إلى هامش يمكن التضحية به كلما ارتفع الطلب على الحجر.
في حيان وبيانون، لا تبدو المعركة بين المقالع والسكان مجرد خلاف على الغبار، بل اختباراً مبكراً لقدرة الحكومة السورية الانتقالية على إدارة الموارد والنشاط الاقتصادي وفق قواعد تحمي الناس، لا وفق تراخيص تنتهي صلاحيتها عند حدود الورق. فالطريق إلى إعادة بناء سوريا لا يفترض أن يبدأ بإزالة آثار الحرب ليترك خلفه أضراراً جديدة تتراكم بصمت.
اقرأ أيضاً: الحراقات البدائية في دير الزور.. معركة إنهاء التلوث تصطدم بأزمة لقمة العيش