الحراقات البدائية في دير الزور.. معركة إنهاء التلوث تصطدم بأزمة لقمة العيش

في بادية قرية الجاسمي شمال دير الزور، لم تكن أصوات الرصاص التي دوّت صباح الاثنين مجرد إعلان عن مداهمة أمنية جديدة، بل كانت فصلًا آخر من صراعٍ معقد بين محاولات الدولة إنهاء اقتصاد النفط العشوائي، وواقعٍ اجتماعي دفع آلاف العائلات إلى الارتهان لمهنة خطرة أصبحت بالنسبة لهم الملاذ الأخير في منطقة أنهكتها سنوات الحرب والتهميش.

ونفذت قوى الأمن الداخلي مداهمة استهدفت موقعًا لـ الحراقات البدائية، حيث جرى تدمير عدد منها وإيقاف أحد العمال الموجودين في الموقع، في حملة تأتي ضمن سلسلة إجراءات متكررة لإغلاق هذه التجمعات التي تُتهم بالتسبب بأضرار بيئية وصحية واسعة، إضافة إلى ارتباط بعضها بعمليات سرقة النفط وتهريبه.

بين السموم والبطالة.. أزمة بلا حلول مكتملة

رغم المخاطر التي تخلّفها الحراقات من تلوث للهواء والتربة وتهديد لصحة السكان، فإن إيقافها يفتح جرحًا اجتماعيًا آخر يتمثل في فقدان مئات العائلات لمصدر دخلها الوحيد.

يقول أحد العاملين في هذا القطاع إنه لم يجد فرصة عمل بديلة، بعد أن حرمته سنوات الانقطاع عن التعليم منذ عام 2013 من الحصول على وظائف حكومية أو الانضمام إلى مؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أن اقتصاد الحراقات لا يقتصر على العمال المباشرين، بل يمتد إلى سائقي الصهاريج، وباعة المحروقات، وعمال النقل والخدمات المرتبطة بهذه المنظومة غير الرسمية.

وعود حكومية ومخاوف من المستقبل

بعد استعادة الحكومة الانتقالية السيطرة على مناطق شمال شرقي سوريا، اتخذت قرارًا بوقف عمل الحراقات البدائية ضمن خطة تهدف إلى إعادة ضبط قطاع النفط والحد من الاستنزاف والتهريب، مع وعود بتوفير المشتقات النفطية ودمج العاملين في هذا القطاع ضمن المنشآت النفطية الرسمية.

وفي أيار الماضي، بدأت الشركة السورية للبترول إجراءات لإجراء مقابلات وفرز العاملين في الحراقات تمهيدًا لاستيعابهم في القطاع النظامي، في محاولة لاحتواء التداعيات الاجتماعية لقرار الإغلاق.

لكن هذه الوعود ما تزال تصطدم بقلق السكان الذين يخشون أن تختفي الحراقات قبل أن تظهر البدائل، ليجد آلاف الأشخاص أنفسهم أمام خيار أكثر قسوة من الدخان الأسود الذي اعتادوا استنشاقه يوميًا: البطالة والفقر.

ثروة نفطية بين الخراب والاستنزاف

تمتلك مناطق شمال شرقي سوريا القسم الأكبر من الثروة النفطية في البلاد، إلا أن سنوات الحرب والصراع أدت إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، وتحول جزء كبير من عمليات الاستخراج والتكرير إلى أساليب بدائية.

وتراجعت كميات الإنتاج النفطي من نحو 380 ألف برميل يوميًا قبل عام 2011 إلى قرابة 100 ألف برميل فقط وفق تقديرات رسمية وتقارير دولية، في صورة تختزل التحول المؤلم لثروة كانت يومًا ركيزة للاقتصاد السوري، قبل أن تتحول في كثير من المناطق إلى مصدر للتلوث والنزاع وصراع البقاء.

 

اقرأ أيضاً: شرق الفرات: استياء شعبي في دير الزور والرقة والحسكة وسط تعثر خطط الحكومة الانتقالية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.