تعيين الخريجين الأوائل دون مسابقة.. هل يعالج قرار “التربية” أزمة الكوادر أم يبقى حلاً محدوداً؟
في وقت يواجه فيه قطاع التعليم في سوريا واحدة من أعقد أزماته منذ سنوات، أعلنت وزارة التربية والتعليم في الحكومة السورية الانتقالية تعيين ما لا يزيد على 10% من الخريجين الأوائل من الجامعات للعام الدراسي 2024-2025 بوظيفة مدرسين ومعلمي صف من دون مسابقة، في محاولة لسد جزء من النقص المتزايد في الكوادر التعليمية، وسط تساؤلات حول قدرة هذا الإجراء على معالجة أزمة أعمق تتجاوز مسألة التوظيف.
ويعكس القرار استمرار اعتماد الحكومة على إجراءات جزئية لمعالجة اختلالات تراكمت خلال سنوات، في وقت لا يزال القطاع التعليمي يواجه تحديات تتعلق بهجرة الكفاءات، وضعف الرواتب، وتراجع البيئة التعليمية، وهي عوامل دفعت آلاف المدرسين إلى مغادرة المهنة أو البحث عن فرص عمل خارج البلاد.
اختصاصات محددة وشروط للتعيين
وبحسب القرار الذي نشرته وزارة التربية والتعليم، يشمل التعيين اختصاصات الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، وعلوم الحياة، واللغات الإنجليزية والفرنسية والروسية، إضافة إلى اختصاص معلم الصف.
واشترطت الوزارة أن يكون المتقدم ضمن نسبة 10% من أوائل الخريجين، وأن يكون قد أنهى دراسته ضمن الحد الأدنى لمدة التخرج، وألا يتجاوز عمره أربعين عاماً في سنة التخرج، إلى جانب التقدم بالطلب خلال الفترة المحددة.
كما يخضع المتقدمون لمقابلة شفهية أمام لجنة مركزية تقيم الكفاءة العلمية، والمهارات التربوية، والقدرة على التواصل، إضافة إلى السمات الشخصية واللياقة الصحية.
ودعت الوزارة الراغبين بالتقدم إلى تقديم طلباتهم ورقياً في مديريات التربية بين 12 و16 تموز الجاري، على أن تعلن نتائج المقبولين بعد استكمال المقابلات، فيما تصدر قرارات التعيين خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً من اعتماد النتائج.
التزام وظيفي طويل
ألزم القرار المقبولين بمباشرة العمل خلال خمسة عشر يوماً من تبليغهم، كما منع نقلهم إلى محافظة أخرى أو ندبهم خارج الوزارة قبل مرور خمس سنوات على تعيينهم، إضافة إلى حظر تكليفهم بمهام غير تعليمية قبل مضي عشر سنوات، باستثناء الحالات الصحية التي تنظمها تعليمات الوزارة.
ويهدف هذا الشرط، وفق القرار، إلى ضمان استقرار الكوادر التعليمية في المدارس، إلا أنه يطرح في المقابل تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على الاحتفاظ بالخريجين الجدد في ظل استمرار ضعف الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة، وهي عوامل دفعت أعداداً كبيرة من العاملين في القطاع العام إلى البحث عن مصادر دخل بديلة.
بين استقطاب المتفوقين وأزمة التعليم
وكان وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو قد أكد في تصريحات سابقة أن تعيين أوائل الخريجين يأتي ضمن خطة مشتركة مع وزارة التعليم العالي لاستقطاب الكفاءات الوطنية وتعويض النقص في الملاكات التعليمية.
وأشار إلى أن الوزارة تسعى إلى رفد المدارس بخريجين متميزين، وتعزيز جودة العملية التعليمية، معتبراً أن القرار يمثل إحدى أدوات تطوير المنظومة التعليمية.
إلا أن مراقبين يرون أن استقطاب المتفوقين، رغم أهميته، لا يكفي وحده لإعادة بناء قطاع التعليم، ما لم يترافق مع إصلاحات أوسع تشمل تحسين بيئة العمل، ورفع الأجور، وتأهيل المدارس، ووضع سياسة تعليمية مستقرة قادرة على الحد من نزيف الكفاءات الذي تعانيه المؤسسات التعليمية منذ سنوات.
أزمة أعمق من التعيينات
ويأتي القرار في وقت تؤكد فيه تقارير محلية ودولية استمرار النقص في أعداد المعلمين في العديد من المحافظات، نتيجة الهجرة، والاستقالات، وتراجع جاذبية العمل في القطاع التعليمي.
ورغم أن تعيين أوائل الخريجين قد يسهم في سد جزء من الشواغر في الاختصاصات العلمية المطلوبة، إلا أن نجاح الخطوة سيبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على معالجة الأسباب البنيوية التي أوصلت قطاع التعليم إلى واقعه الحالي، إذ إن استقطاب الكفاءات لا يبدو كافياً إذا استمرت الظروف الاقتصادية والمهنية نفسها التي دفعت كثيراً من الكوادر إلى مغادرة الصفوف الدراسية.
اقرأ أيضاً: وزارة التربية تصدر الدليل الكامل للتعليمات العقابية لمنع الغش الامتحاني 2026