الألغام ومخلفات الحرب في سوريا.. عقبة رئيسية أمام إعادة الإعمار
في ظل التحركات الدولية المتسارعة تجاه سوريا والانفتاح الدبلوماسي الذي تشهده البلاد بعد سنوات من العزلة، تتصدر ملفات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي أجندة النقاشات بين دمشق وشركائها الإقليميين والدوليين. إلا أن تحقيق تقدم فعلي في هذه الملفات ما يزال مرتبطاً بمعالجة تحديات أمنية وإنسانية معقدة، يأتي في مقدمتها انتشار الألغام ومخلفات الحرب في مساحات واسعة من الأراضي السورية.
ومع تزايد الحديث عن مشاريع إعادة البناء واستقطاب الاستثمارات وتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين واللاجئين، يبرز ملف إزالة الألغام باعتباره أحد الشروط الأساسية لتهيئة بيئة آمنة تسمح باستئناف الحياة الطبيعية وإطلاق عجلة التنمية في المناطق المتضررة.
الألغام تحدٍّ مستمر أمام مرحلة ما بعد الحرب
شهدت سوريا خلال سنوات النزاع انتشاراً واسعاً للألغام والذخائر غير المنفجرة في مناطق عديدة كانت مسرحاً للعمليات العسكرية. ولا تزال هذه المخلفات تشكل خطراً يومياً على المدنيين، كما تعيق استثمار الأراضي الزراعية وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وتؤكد منظمات الأمم المتحدة أن إزالة الألغام لم تعد تندرج فقط ضمن إطار الاستجابة الإنسانية، بل أصبحت متطلباً أساسياً لتحقيق التعافي المستدام، وعودة السكان إلى مناطقهم، وإعادة تشغيل المدارس والمرافق العامة، فضلاً عن استئناف الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية.
ويأتي الاهتمام الدولي المتزايد بهذا الملف في وقت تتكثف فيه الجهود الرامية إلى دعم مرحلة ما بعد الحرب، حيث شهدت مدينة جنيف خلال شهر حزيران/يونيو الماضي مؤتمراً دولياً خُصص لتنسيق عمليات إزالة الألغام في سوريا، بمشاركة الحكومة السورية وعدد من الشركاء الدوليين والجهات المانحة، بهدف توحيد الجهود وتحديد الأولويات وتوفير التمويل والخبرات اللازمة لتسريع عمليات التطهير.
إزالة الألغام شرط أساسي للاستقرار
في هذا السياق، يرى الباحث الأول في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، أيمن الدسوقي، أن ملف الألغام ومخلفات الحرب يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه جهود التعافي في سوريا، مشيراً إلى أن الحكومة السورية أنشأت المركز الوطني لمكافحة الألغام ضمن وزارة الطوارئ، ليتولى التنسيق مع المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية العاملة في هذا المجال.
وأوضح الدسوقي أن الجهود الحالية حققت نتائج إيجابية في عدد من المناطق، إلا أن اتساع مساحة الأراضي الملوثة بالألغام وتفاوت الظروف المحلية بين منطقة وأخرى، إلى جانب محدودية الموارد البشرية والتقنية المتاحة، يجعل من الصعب التعامل مع الملف بالسرعة المطلوبة.
وأكد أن إزالة الألغام لا يمكن النظر إليها كمهمة تقنية منفصلة عن بقية ملفات التعافي، بل إنها تمثل قاعدة أساسية لأي عملية استقرار أو إعادة إعمار، لافتاً إلى أن الأولوية يجب أن تتركز على تطهير المناطق السكنية المتضررة أو المدمرة التي يُنتظر أن تشهد عودة للسكان خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف أن ضمان سلامة المدنيين يشكل المدخل الرئيسي لإعادة تنشيط الاقتصاد المحلي وبدء مشاريع إعادة البناء، موضحاً أن استمرار وجود الألغام يحد من فرص الاستثمار ويمنع السكان من استعادة حياتهم الطبيعية.
الحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة
وأشار الدسوقي إلى أن التعامل مع هذا الملف يتطلب وضع خطة استراتيجية متكاملة تستند إلى تحديد واضح للأولويات وتوفير الموارد اللازمة، إضافة إلى بناء قاعدة بيانات دقيقة حول أماكن انتشار الألغام ومخلفات الحرب.
كما شدد على أهمية تعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية والمنظمات الدولية والمؤسسات المحلية العاملة في المجال، معتبراً أن ضعف تبادل المعلومات وتشتت الجهود ما يزالان من أبرز العقبات التي تحد من فعالية عمليات التطهير.
ويرى الباحث أن العمل لا يزال في بداياته سواء من حيث إعداد الاستراتيجيات أو تنفيذها ميدانياً، الأمر الذي يتطلب استثمارات طويلة الأمد وجهوداً متواصلة للوصول إلى نتائج ملموسة.
أسباب استمرار وقوع الضحايا
وعن استمرار الحوادث المرتبطة بالألغام، أوضح الدسوقي أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية تسهم في ذلك.
العامل الأول يتمثل في بطء عمليات إزالة الألغام مقارنة بحجم التلوث الواسع الذي خلفته سنوات النزاع، فيما يرتبط العامل الثاني بعودة بعض السكان إلى مناطقهم قبل الانتهاء من عمليات المسح والتأكد من خلو تلك المناطق من المخاطر.
أما العامل الثالث، فيتعلق بضعف برامج التوعية المجتمعية والوقاية، نتيجة نقص الكوادر المؤهلة والقادرة على تنفيذ حملات التوعية بشكل واسع ومستمر، خصوصاً في المناطق التي شهدت عودة سكانية حديثة.
التكنولوجيا الحديثة ودورها في عمليات التطهير
وفيما يتعلق باستخدام التقنيات الحديثة، أوضح الدسوقي أن التكنولوجيا توفر أدوات مهمة في جمع البيانات وتحليلها وإعداد خرائط دقيقة للمناطق الخطرة، بما يساعد على تحديد أولويات التدخل وتوجيه الفرق الميدانية بشكل أكثر فاعلية.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن هذه الوسائل لا يمكن أن تحل محل الفرق المختصة العاملة على الأرض، بل تمثل أدوات داعمة لعملها، مشيراً إلى أن الاستفادة من هذه التقنيات تتطلب دعماً دولياً مالياً وفنياً، إضافة إلى تدريب الكوادر الوطنية على استخدامها.
واعتبر أن تحقيق تعافٍ حقيقي في سوريا يبقى مرتبطاً بقدرة السكان على العودة الآمنة إلى مناطقهم، وهو أمر يتطلب إزالة مصادر الخطر وتأمين بيئة مستقرة تسمح بإعادة إطلاق النشاط الاقتصادي والخدمي.
تعدد الجهات المسيطرة يعقّد المهمة
من جانبه، يرى الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية العميد ناجي ملاعب أن ملف الألغام يشكل أحد أبرز العوائق أمام التنمية وإعادة البناء في سوريا، موضحاً أن تعقيدات الأزمة السورية خلال السنوات الماضية أسهمت في توسيع نطاق المشكلة.
وأشار إلى أن مناطق سورية عديدة شهدت خلال سنوات النزاع انتقال السيطرة بين أطراف متعددة، من بينها فصائل مسلحة وتنظيمات مختلفة وقوات محلية وجهات أخرى، وهو ما أدى إلى انتشار الألغام والعوائق العسكرية في مناطق واسعة.
وأوضح أن تعدد الجهات التي قامت بزرع الألغام يمثل تحدياً كبيراً أمام عمليات الإزالة، خاصة في ظل غياب الخرائط والبيانات الدقيقة التي تحدد مواقع تلك الألغام، فضلاً عن خروج العديد من تلك الجهات من المشهد أو عدم وجود قنوات تواصل معها حالياً.
وأضاف أن بعض المناطق ما تزال تضم قوى محلية مختلفة لم تنخرط بشكل كامل في مؤسسات الدولة الجديدة، الأمر الذي يزيد من تعقيد عملية جمع المعلومات اللازمة لتحديد أماكن الخطر.
أهمية الدعم التقني والدولي
وأشار ملاعب إلى أن التطور التكنولوجي يمكن أن يسهم بشكل كبير في تسريع عمليات إزالة الألغام، مستشهداً بالتقنيات الحديثة المستخدمة عالمياً، بما في ذلك المركبات المتخصصة والطائرات المسيّرة التي تساعد في الكشف عن المناطق الملوثة وتطهيرها.
ولفت إلى أن سوريا قد تستفيد من خبرات ودعم الدول التي تمتلك إمكانات متقدمة في هذا المجال، سواء من خلال نقل التكنولوجيا أو تدريب الكوادر أو توفير المعدات المتخصصة.
بين بناء الدولة وإعادة الإعمار
وربط ملاعب بين نجاح جهود إزالة الألغام ومسار بناء الدولة واستقرار المؤسسات، معتبراً أن التنمية المستدامة وإعادة الإعمار تتطلبان بيئة سياسية مستقرة ومؤسسات قادرة على إدارة مختلف الملفات الوطنية.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الاندماج بين مختلف المناطق والمكونات ضمن إطار الدولة، بما يضمن توحيد الجهود وتوفير الظروف الملائمة لتنفيذ مشاريع التعافي وإعادة الإعمار.
وختم بالتأكيد على أن استعادة الاستقرار في سوريا لا ترتبط فقط باستعادة السيطرة على الأراضي أو حماية الحدود، بل تعتمد بصورة أساسية على بناء مؤسسات قوية وقادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، معتبراً أن إزالة الألغام ومخلفات الحرب تمثل الخطوة الأولى نحو تحقيق عودة آمنة للسكان وإطلاق عملية تنموية مستدامة في مختلف أنحاء البلاد.
اقرأ أيضاً:قتيلان بانفجار لغم في ريف حمص.. والألغام تواصل حصد أرواح السوريين