إضرابات عمالية تهز القطاع الصناعي السوري.. هل بدأت أزمة الأجور بالتحول إلى احتجاجات منظمة؟
في مشهد يعكس عمق الاختلال بين الأجور وتكاليف المعيشة، شهد القطاع الصناعي الخاص في سوريا خلال الأيام الماضية موجة إضرابات عمالية متصاعدة، انطلقت من ريف دمشق وفتحت الباب أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل العلاقة بين العمال وأصحاب العمل في ظل التدهور المستمر للقوة الشرائية وارتفاع الأسعار.
من «زنوبيا» إلى «مدار».. اتساع رقعة الاحتجاج
البداية كانت في شركة “زنوبيا” للسيراميك بمنطقة الكسوة، حيث أعلن آلاف العمال توقفهم عن العمل في عدد من المعامل التابعة للشركة، مطالبين برفع الأجور وتحسين ظروف العمل وتنفيذ وعود سابقة تتعلق بالتأمين الصحي والحقوق العمالية.
وأكد المحتجون أن تحركهم يأتي بدوافع معيشية بحتة، في ظل رواتب لم تعد قادرة على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية، مع استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.
ولم تمضِ ساعات حتى امتدت الاحتجاجات إلى شركة “مدار” في ريف دمشق، حيث نظم العمال وقفة داخل المنشأة الصناعية وأعلنوا إضراباً مفتوحاً للمطالبة بتحسين الرواتب وصرف الحوافز المتأخرة وتأمين بيئة عمل أكثر استقراراً وعدالة.
الإدارة تستجيب.. والعمال يتمسكون بالضمانات
خلافاً لما اعتادته بعض الأزمات العمالية السابقة، سارعت إدارة “زنوبيا” إلى إصدار بيان أكدت فيه التزامها بقانون العمل، مشيرة إلى تسجيل جميع العاملين في التأمينات الاجتماعية وتقديم مزايا تشمل النقل والتأمين الطبي والحوافز الإنتاجية.
كما تحدثت معلومات متداولة عن اتفاق مبدئي لرفع الأجور، إلا أن لجنة الإضراب شددت على أن العودة إلى العمل مرهونة بصدور قرارات مكتوبة وواضحة تضمن تنفيذ التعهدات بصورة قانونية وملزمة.
في المقابل، أثار غياب أي موقف رسمي من الجهات الحكومية أو النقابية تساؤلات بشأن دور المؤسسات المعنية في احتواء الأزمة والدفاع عن حقوق العاملين في القطاع الخاص، خاصة مع اتساع دائرة الاحتجاجات واحتمال انتقالها إلى منشآت أخرى.
أزمة أعمق من مطالب الأجور
التطورات الأخيرة دفعت مراقبين إلى اعتبار الإضرابات مؤشراً على أزمة اقتصادية أوسع تتجاوز حدود الشركات المعنية. فالارتفاع المستمر في سعر صرف الدولار وما يرافقه من موجات غلاء متلاحقة أدى إلى تآكل الأجور بوتيرة أسرع من أي زيادات تُمنح للعاملين.
ويرى الخبير الاقتصادي جورج خزام أن ظهور الإضرابات في القطاع الخاص كان متوقعاً في ظل الفجوة المتنامية بين الدخل والأسعار، مشيراً إلى أن المصانع تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة نتيجة المنافسة مع المستوردات منخفضة الرسوم، ما يحدّ من قدرتها على رفع الرواتب دون زيادة تكاليف الإنتاج.
ويحذر خزام من أن استمرار الاعتماد على الاستيراد وإغراق الأسواق بالسلع البديلة للإنتاج المحلي يضعف الصناعة الوطنية ويقلص هوامش الربح، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الأجور وفرص العمل والاستقرار الاجتماعي.
كرة ثلج قابلة للاتساع
مع ورود مؤشرات عن احتمال انضمام عمال منشآت صناعية أخرى إلى موجة الاحتجاجات، تبدو الإضرابات الحالية أكثر من مجرد مطالب عمالية مؤقتة. فهي تعكس أزمة بنيوية تتشابك فيها ملفات الأجور والإنتاج وسعر الصرف والاستيراد، وتضع القطاع الصناعي السوري أمام اختبار حقيقي بين الحفاظ على استمرارية الإنتاج وضمان الحد الأدنى من العدالة المعيشية للعاملين.
اقرأ أيضاً: الليرة السورية تتراجع مجددًا.. فجوة الصرف تتسع والضغوط الاقتصادية تتفاقم