تقول معلومات حصلت عليها شبكة «داما بوست» من مصادر متعددة بأن التغييرات الأخيرة التي وقعت في المؤسسة العسكرية السورية تمت من خلال توافق بين دمشق وأنقرة سمح من خلاله بإقالة شخصيات مما كان يعرف باسم «الجيش الوطني» الذي شكلته «الاستخبارات التركية» من إئتلاف فصائل سورية عام 2017 لترسيخ الوجود التركي في الداخل السوري. وانقسمت عملية الإقالة من مناصب قيادية في وحدات المنطقة الوسطى والشمالية بين إقالة نهائية وإقصاء من المؤسسة العسكرية من جهة، ونقل إلى مواقع تعرف باسم «مناصب التجميد» من جهة ثانية.
وبحسب المصادر فإن دمشق هي من بادرت إلى هذه الخطوة وطلبت من الجانب التركي عقد اجتماعات استخبارية لمناقشة الملف خلال الأشهر الماضية، مبدية مخاوف كبرى من الشخصيات التي تم إقالتها خاصة «سيف بولاد»، الذي كان يقود فصيلاً يعرف باسم «فرقة الحمزات» قبل سقوط نظام «بشار الأسد». وعلى الرغم من أن «بولاد» كان من بين أوائل الشخصيات التي أعلنت الولاء لـ «الحكومة الانتقالية» بصورتها الحالية وقبلت الاندماج بشكل كامل ضمن «المؤسسة العسكرية السورية» بعد تشكيل ما يعرف اليوم باسم «وزارة الدفاع»، إلا أنه بقي من الشخصيات غير الموثوقة بالنسبة للحكومة الحالية نتيجة لوجود خلافات قديمة بين مكونات «الجيش الوطني» و«هيئة تحرير الشام» التي بات من الممكن تسميتها بـ «الحزب الحاكم» في سوريا.
وتكشف المصادر عن تسوية عقدت مع «بولاد»، يخرج بموجبها باستقالة من «وزارة الدفاع» مع تعهد «الحكومة السورية» بعدم ملاحقته بأي ملف مرتبط بتاريخ ما قبل استقالته، وعلى أن يسمح له بالعمل المدني داخل الأراضي السورية شريطة عدم اقترابه من ملفي السياسة والأمن وعدم تشكيله لأي مجموعة مسلحة مستقبلاً تحت أي مسمى أو أي تبرير. لكن المصادر ذاتها لم تستبعد أن يكون «بولاد» من بين الشخصيات التي قد تُرمى لمصيرها في مواجهة القضاء بجرائم حرب مرتبطة بالانتهاكات التي شهدتها مناطق الساحل السوري في مارس 2025، إذ تعتبر عمليات الإقالة التي نفذت مؤخراً الخطوة الأولى على طريق تسوية ملف الانتهاكات أمام الرأي العام العالمي بإقامة محاكم لمن تُوجّه لهم الاتهامات، بما يسهم بطي هذا الملف بشكل نهائي أمام المجموعة الدولية بعد أن كان قد أحرَج «الحكومة الانتقالية» دولياً.
وبحسب المصادر نفسها فإن «محمد الجاسم» المعروف بلقب «أبو عمشة» قبل بمنصب يجمّده ويحد من نفوذه في المنطقة الوسطى وفي شمال سوريا بعد أن أصبح نائب قائد «المنطقة الوسطى»، على أن يحدد عدد عناصر المرافق الخاصين به بـ 25 عنصراً فقط، ولا يسمح له بتجنيد أي شخص تحت مسمى الحرس أو موظفي حراسة ضمن منزله أو المزارع التي يملكها. وجاءت هذه التسوية مع «أبو عمشة» بعد نقاشات طويلة استمرت لعدة ساعات ليقبل بتنحيه من منصب قائد فرقة دون أن يكون هناك أي نوع من أنواع الصدامات العسكرية مع قوات «وزارة الدفاع».
وعلى الرغم من أن الجانب التركي كان موافقاً على هذه الإقالات، إلا أنه لم يتدخل فيها بشكل مباشر ولم يقم الجانب التركي بإبلاغ أي شخصية من الشخصيات الموالية له بهذه الإقالات سابقاً، وترك الأمر بشكل كامل لـ «الحكومة السورية». وتبدو هذه الخطوة من وجهة نظر المصادر القريبة من «وزارة الدفاع» بأنها مقدمة للتخلص من كل الشخصيات التي لا توالي «هيئة تحرير الشام» بشكل كامل، بما في ذلك الشخصيات القيادية في المناطق الجنوبية، الأمر الذي يقي «الحكومة الانتقالية» من أي انقلاب عسكري محتمل أو حتى حركات تمرد ضدها من قبل الفصائل التي قبلت بضغوط تركية بالاندماج ضمن مظلة «وزارة الدفاع» بصورتها الحالية.
الإقالات الأخيرة هي واحدة من الخطوات لترسيخ الحكم بصورته الحالية إلى أجل غير مسمى وربما تزيد مدته على المدة التي حكم من خلالها نظام «الأسدين» الأب والابن معاً، وليست خطوات روتينية أو إجراءات طبيعية ضمن المؤسسة العسكرية كما روجت بعض التقارير لوسائل إعلامية محسوبة على «الحكومة الانتقالية». ويبدو أن سوريا دخلت في مرحلة بناء مؤسسة عسكرية موالية بشكل مطلق للحزب الحاكم الجديد في سوريا («هيئة تحرير الشام»).
إقرأ أيضاً: وزارة الدفاع ترفع الجاهزية العسكرية: إعادة هيكلة التشكيلات أم تمهيد لتدخل في لبنان؟
إقرأ أيضاً: إعادة تنظيم الجيش السوري بين إنهاء التكتلات الفصائلية وشروط الشراكة مع قسد