في الأسواق السورية… السعر يطرد الجودة والقدرة الشرائية ترسم خيارات المستهلك

لم تعد جودة السلع في الأسواق السورية مرتبطة فقط بالمواصفات الفنية أو معايير التصنيع، بل باتت محكومة بمعادلة أكثر قسوة: دخل متراجع، أسعار مرتفعة، ومستهلك يبحث عن الخيار الأقل كلفة قبل الأفضل جودة.

ففي سوق أنهكتها سنوات الحرب والتضخم وضعف القدرة الشرائية، لم يعد السؤال دائماً: “ما المنتج الأفضل؟”، بل أصبح: “ما الذي يمكن تحمّل ثمنه؟”. وهو واقع أعاد تشكيل سلوك المستهلك، ودفع الكثيرين نحو سلع أرخص، حتى لو جاءت على حساب العمر الافتراضي أو الجودة.

المستهلك يحدد السوق… لكن ضمن حدود قدرته

يرى رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية الدكتور مازن ديروان أن رغبات المستهلك والبضائع المنافسة المتاحة تلعب دوراً أساسياً في تحديد نوعية السلع، موضحاً أن المنتج الذي يقترب من توقعات الزبون هو الذي ينجح في السوق.

لكن هذه القاعدة تصطدم بواقع اقتصادي مختلف، إذ إن ضعف الدخل يضيّق مساحة الاختيار أمام المستهلك. فالفئات القادرة مالياً قد تبحث عن الجودة الأعلى، بينما تضطر الشرائح الأوسع إلى المفاضلة بين السعر والاحتياجات الأساسية.

ويشير ديروان إلى أن تحرير التجارة وزيادة المنافسة يمكن أن يشكلا عاملاً لضبط السوق، لأن المنافسة الحقيقية تدفع المنتجين إلى تحسين الجودة وتقديم أسعار أكثر عدالة.

المواصفات وحدها لا تكفي

في المقابل، يؤكد صناعيون أن المواصفات والمقاييس تبقى المعيار الأساسي للحكم على جودة أي منتج، إذ إن السلعة المطابقة للمعايير تعد مقبولة، بينما ترتفع جودتها كلما تجاوزت الحد الأدنى للمواصفات.

إلا أن تطبيق هذه المعايير يبقى التحدي الأكبر في سوق تعاني تفاوتاً بين المنتجات المحلية والمستوردة، وسط شكاوى من دخول بضائع منخفضة الجودة تنافس المنتج الوطني عبر السعر المنخفض.

ويرى صناعيون أن المنتج السوري يواجه معادلة صعبة؛ فهو يتحمل تكاليف إنتاج مرتفعة نتيجة غلاء المواد الأولية والطاقة، بينما ينافس منتجات أرخص لا تخضع دائماً للمعايير نفسها.

سوق الفقراء لا تختار دائماً الأفضل

يؤكد خبراء اقتصاديون أن العلاقة بين الدخل وجودة السلع أصبحت واضحة في السوق السورية، فكلما تراجعت القدرة الشرائية، زاد توجه المستهلك نحو المنتجات الأرخص، حتى لو كانت أقل جودة.

ويشرح الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن قرار الشراء لا يرتبط بالجودة فقط، بل يتأثر بعوامل عدة، أبرزها الدخل، وتوفر البدائل، وثقافة الاستهلاك، ومستوى المنافسة.

وبحسب عياش، فإن المستهلك لا يختار المنتج الرديء بالضرورة، لكنه يحاول الحصول على أفضل خيار ممكن ضمن إمكاناته المحدودة.

الصناعي بين كلفة الجودة وضغط السوق

يرى صناعيون أن الحفاظ على جودة الإنتاج أصبح عبئاً متزايداً، إذ إن استخدام مواد أولية أفضل واتباع معايير تصنيع أعلى يرفع الكلفة، في وقت يضغط فيه السوق باتجاه الأسعار المنخفضة.

ويحذرون من أن استمرار هذه المعادلة قد يدفع بعض المنتجين إلى تقليل الجودة للحفاظ على قدرتهم على المنافسة، ما يهدد الصناعة المحلية والمستهلك معاً.

رقابة غائبة وسوق تبحث عن التوازن

بينما تؤكد الجهات الصناعية أهمية دور هيئة المواصفات والمقاييس والرقابة على الأسواق، يرى مراقبون أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود القوانين، بل في قدرة المؤسسات على تطبيقها وضمان عدالة المنافسة.

وفي ظل غياب سياسات اقتصادية واضحة من الحكومة السورية الانتقالية لضبط الأسواق وحماية المستهلك والمنتج المحلي، تبقى الجودة رهينة معادلة مختلة: منتج يحاول الصمود، ومستهلك يحاول النجاة، وسوق تحددها الحاجة أكثر مما تحددها الخيارات.

ففي سوريا اليوم، لا تطرد البضاعة الجيدة دائماً البضاعة السيئة؛ أحياناً يكفي أن يكون السعر أقل لتبقى السلعة في الواجهة.

 

اقرأ أيضاً “التضخم السلوكي” يلتهم القدرة الشرائية واتساع فجوة الصرف ينذر بخطر هيكلي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.