السياحة الداخلية في سوريا تنتعش على وقع الأزمة.. رحلات للهروب من الضغوط لا من الواقع

تبدو خارطة السياحة الداخلية في سوريا غنية بما يكفي لتكون رافعة اقتصادية حقيقية؛ من شواطئ الساحل إلى جبالها وغاباتها ومواقعها الأثرية، إلا أن هذا التنوع يصطدم بواقع اقتصادي جعل الرحلة السياحية بالنسبة لكثير من السوريين ترفاً مؤجلاً، لا حقاً متاحاً.

ومع دخول فصل الصيف، تتزايد حركة الرحلات الداخلية نحو الوجهات الطبيعية، سواء عبر مجموعات منظمة أو مبادرات فردية، لكن حجم الإقبال يبقى مرتبطاً بقدرة المواطنين الشرائية التي تراجعت بفعل سنوات الحرب والغلاء وتآكل الدخول.

فالسائح السوري لا يختار وجهته وفق جمال المكان فقط، بل وفق ما تسمح به ميزانيته؛ رحلة ليوم واحد بدلاً من إقامة طويلة، ومواقع قريبة بدلاً من سفر مكلف، في محاولة لتحقيق استراحة قصيرة من ضغوط الحياة اليومية.

سياحة جماعية بأسعار محسوبة

يؤكد منظمو الرحلات أن الإقبال على الرحلات الجماعية ازداد باعتبارها خياراً أقل تكلفة من السفر الفردي، إذ تتيح تقاسم نفقات النقل والخدمات، إضافة إلى توفير برامج ترفيهية منظمة.

وتتركز غالبية الرحلات الصيفية باتجاه الساحل السوري، ولا سيما محافظتي اللاذقية وطرطوس، فيما تحافظ مناطق مثل بلودان ومضايا وبقين على حضورها خلال الفصول الأخرى.

ويشير منظمو الرحلات إلى أن تكلفة النقل باتت العامل الأكثر تأثيراً في تحديد الأسعار، حيث تدفع ارتفاعات التكاليف معظم المكاتب إلى التركيز على الرحلات القصيرة التي لا تتجاوز يوماً واحداً، بينما تبقى الرحلات الطويلة والإقامات الفندقية خياراً محدوداً لشريحة قادرة مادياً.

سوق سياحية بين التنظيم والفوضى

رغم نمو هذا النشاط، تواجه المكاتب السياحية المرخصة منافسة من مجموعات وصفحات إلكترونية تنظم رحلات خارج الإطار الرسمي، ما يثير إشكاليات تتعلق بجودة الخدمة وحقوق المشاركين وسلامتهم.

وتطالب مكاتب سياحية بتشديد الرقابة على هذا النوع من النشاط، معتبرة أن التكاليف القانونية والتشغيلية التي تتحملها المكاتب النظامية تجعل منافستها مع الجهات غير المرخصة صعبة.

من جهتها، تؤكد وزارة السياحة الانتقالية أنها تتابع عمل المكاتب السياحية عبر الرقابة الميدانية والشروط التنظيمية، وتشدد على ضرورة حصول الجهات المنظمة للرحلات على التراخيص اللازمة، مع فرض عقوبات على المخالفين.

مقومات كبيرة أمام قطاع يبحث عن التعافي

تمتلك سوريا مقومات سياحية متنوعة يمكن أن تجعل القطاع أحد مصادر الدخل وفرص العمل، إلا أن استثمار هذه الإمكانات ما يزال يصطدم بتحديات البنية الخدمية، وضعف القدرة الشرائية، وغياب الاستقرار الاقتصادي الكامل.

وتراهن الجهات الرسمية على تطوير برامج سياحية جديدة والتحول الرقمي في تنظيم القطاع، لكن الواقع يشير إلى فجوة واسعة بين الإمكانات النظرية والقدرة الفعلية على تحويلها إلى نشاط اقتصادي واسع.

ففي بلد أنهكته سنوات الحرب، لم تعد الرحلة السياحية مجرد بحث عن الترفيه، بل أصبحت مساحة مؤقتة للهروب من واقع اقتصادي ضاغط. وبين طبيعة غنية ومجتمع مثقل بالأزمات، تبقى السياحة الداخلية أمام اختبار أصعب: كيف تتحول من رفاهية محدودة إلى قطاع قادر على خدمة السوريين والاقتصاد معاً؟

 

اقرأ أيضاً: فوضى السلاح والخدمات تهدد السياحة في الساحل السوري

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.