مجلس الشعب السوري.. لماذا تتأخر الجلسة الأولى رغم اكتمال الانتخابات؟
بعد أسابيع من انتهاء انتخابات مجلس الشعب السوري في مختلف المحافظات، باستثناء السويداء، وإعلان نتائج آخر الدوائر الانتخابية في الحسكة وعين العرب (كوباني)، لا تزال الجلسة الافتتاحية للمجلس غائبة عن المشهد السياسي، رغم وعود رسمية سابقة بانعقادها خلال نيسان الماضي أو في فترة وجيزة تليه.
ويأتي هذا التأخير في لحظة سياسية دقيقة، تسعى فيها سوريا إلى استكمال بناء مؤسساتها الدستورية خلال المرحلة الانتقالية، في وقت تواصل فيه السلطة التنفيذية إصدار قوانين ومراسيم يفترض أن تشكل لاحقاً جزءاً من اختصاص السلطة التشريعية.
بين الاستحقاق الدستوري وتعقيدات المرحلة الانتقالية
يرى مراقبون أن تأخر انعقاد المجلس يتجاوز كونه مسألة تنظيمية، ليعكس حجم التحديات المرتبطة بإعادة تشكيل السلطة التشريعية بعد سنوات من التحولات السياسية والأمنية العميقة.
ويشير خبراء في الحوكمة والقانون إلى أن العديد من البرلمانات حول العالم تحتاج إلى فترة انتقالية بين إعلان النتائج ومباشرة النواب أعمالهم، بهدف استكمال الإجراءات الإدارية والتنظيمية المتعلقة بتشكيل هيئة الرئاسة واللجان البرلمانية.
غير أن الحالة السورية تحمل خصوصية مختلفة، إذ يترافق التأخير مع غياب إعلان رسمي يحدد موعد الجلسة الأولى أو يكشف بصورة واضحة عن الخطوات المتبقية لاستكمال تشكيل المجلس.
قائمة التعيينات وتمثيل المكونات
بحسب عدد من المختصين بالشأن الدستوري، يرتبط جزء من التأخير باستكمال قائمة الأعضاء الذين سيعينهم الرئيس أحمد الشرع، والبالغ عددهم 70 عضواً من أصل 210 أعضاء يشكلون مجلس الشعب الجديد.
كما تبرز ملفات أخرى مرتبطة بآليات التمثيل السياسي والاجتماعي، بما يشمل تمثيل المرأة والمكونات المختلفة، إضافة إلى تعقيدات المشهد في شمال وشرق سوريا وملف محافظة السويداء.
ويبدو أن الجهات المعنية تسعى إلى الوصول إلى صيغة تمنح المجلس طابعاً تمثيلياً أوسع، بما يعزز شرعيته السياسية والمجتمعية خلال المرحلة المقبلة.
العدالة الانتقالية والأحزاب.. ملفات تنتظر البرلمان
تزداد أهمية الإسراع في انعقاد المجلس بالنظر إلى حجم الملفات التشريعية المؤجلة، وفي مقدمتها قوانين العدالة الانتقالية والأحزاب السياسية والنظام الداخلي للمجلس نفسه.
ويحذر خبراء من أن استمرار غياب السلطة التشريعية قد يؤدي إلى تأجيل استحقاقات أساسية تتعلق بإدارة المرحلة الانتقالية، خصوصاً أن هذه الملفات تحتاج إلى نقاشات واسعة داخل مؤسسة منتخبة تمثل مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.
كما أن المجلس سيكون مطالباً بمراجعة عشرات القوانين النافذة، إلى جانب دراسة تشريعات اقتصادية وخدمية جديدة يفترض أن تسهم في معالجة الأعباء المتزايدة التي يواجهها المواطنون.
جدل المراسيم الرئاسية في غياب البرلمان
وخلال الأشهر الماضية، أصدرت السلطة التنفيذية عدداً من القوانين والمراسيم المرتبطة بالاستثمار وإنشاء هيئات ومؤسسات جديدة، الأمر الذي أثار نقاشاً حول حدود الصلاحيات التشريعية خلال المرحلة الانتقالية.
ويرى مختصون أن هذه القرارات جاءت استجابة لحاجة الدولة إلى الاستمرار في إدارة شؤونها العامة، في ظل غياب مجلس شعب يمارس صلاحياته الدستورية، إلا أنهم يؤكدون في الوقت ذاته أن وجود سلطة تشريعية فاعلة يبقى الضمانة الأساسية لتحقيق التوازن المؤسسي بين السلطات.
ويُنتظر أن يتولى المجلس، بعد انعقاده، مراجعة التشريعات الصادرة خلال فترة غيابه، سواء عبر إقرارها أو تعديلها أو إعادة صياغتها بما ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة.
هل اكتمل المسار الدستوري؟
من الناحية القانونية، يشير مختصون إلى أن اكتمال العملية الانتخابية لا يعني بالضرورة اكتمال المسار الدستوري، إذ إن الإعلان الدستوري لعام 2025 ربط مباشرة عمل المجلس بانعقاد جلسته الأولى وانتخاب هيئة رئاسته وإقرار نظامه الداخلي خلال مدة زمنية محددة.
وفي ظل استمرار التأخير، تتزايد التساؤلات حول موعد استكمال هذا الاستحقاق، خاصة أن وجود برلمان فاعل لا يمثل مجرد خطوة إجرائية، بل يشكل أحد أبرز مؤشرات الانتقال من إدارة المرحلة الاستثنائية إلى ترسيخ مؤسسات الدولة الدستورية.
وبين اعتبارات التمثيل والتوازنات السياسية ومتطلبات المرحلة الانتقالية، يبقى انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب محطة مفصلية ينتظرها السوريون، ليس فقط لاستكمال بناء السلطة التشريعية، بل أيضاً لإطلاق مسار تشريعي طال انتظاره في ملفات العدالة والاقتصاد والحياة السياسية.
اقرأ أيضاً: تمثيل النساء في مجلس الشعب السوري.. أرقام متواضعة وأسئلة أكبر من المقاعد