أرصفة ريف دمشق تضيق بالمحال.. حين يتحول حق المشاة إلى مساحة للبيع
لم تعد الأرصفة في عدد من مدن وبلدات ريف دمشق مساحة مخصصة لعبور المشاة، بل تحولت تدريجياً إلى امتداد مفتوح للمحال التجارية، تتوزع فوقها البضائع والطاولات واللافتات والمظلات، في مشهد يعكس فوضى عمرانية تتسع على حساب أبسط حقوق السكان في التنقل الآمن.
وبينما يحاول أصحاب المحال مواجهة ظروف اقتصادية خانقة عبر توسيع واجهات العرض، يدفع المشاة الثمن يومياً، إذ يجد كثيرون أنفسهم مضطرين لمغادرة الأرصفة والسير في الطرقات المزدحمة بين السيارات، في مشهد يختصر ضعف التنظيم وتراجع قدرة الجهات المحلية على ضبط المجال العام.
رصيف بلا مشاة.. وشوارع أكثر خطراً
في منطقة كشكول بريف دمشق، يقول غسان كحول إن الرصيف فقد وظيفته الأساسية بعدما أصبح مساحة تجارية تستغلها بعض المحال، مؤكداً أن هذه المرافق العامة أنشئت لحماية المشاة وليس لتكون امتداداً للملكية الخاصة.
ويشير سامح عقيل إلى أن الإشغالات لم تعد تقتصر على عرض بعض البضائع، بل تجاوزتها إلى تركيب الرفوف والطاولات والكراسي والمظلات والمنصات الثابتة، ما أدى إلى إغلاق مساحات واسعة من الأرصفة، خصوصاً في الأسواق والشوارع الحيوية.
هذه الظاهرة لا تبدو مجرد مشكلة تنظيمية، بل تحولت إلى عبء يومي على كبار السن وذوي الإعاقة والأمهات اللواتي يرافقن أطفالهن، حيث يصبح عبور الطريق بديلاً اضطرارياً عن رصيف يفترض أن يكون أكثر الأماكن أماناً.
وتقول ميساء شدود، العاملة في ورشة خياطة بمنطقة الدويلعة، إنها تضطر بشكل متكرر إلى السير بين المركبات بسبب امتلاء الأرصفة بالبضائع، مشيرة إلى أن بعض حملات الإزالة لم تحقق تغييراً دائماً، إذ تعود المخالفات بمجرد انتهاء الجولات الرقابية.
أزمة الاقتصاد لا تبرر احتلال المجال العام
في المقابل، يبرر بعض أصحاب المحال إشغال الأرصفة بضغوط السوق وارتفاع التكاليف وتراجع القدرة الشرائية، معتبرين أن عرض البضائع خارج المحال أصبح وسيلة ضرورية لجذب الزبائن وزيادة فرص البيع.
ويقول فهد الشاهين، صاحب محل في منطقة الطبالة بدمشق، إن ضيق مساحة المحل لا يسمح بعرض كامل المنتجات، ما يدفعه إلى وضع جزء منها أمام المحل.
أما مأمون السلوم فيرى أن المنافسة بين التجار وارتفاع الإيجارات دفعت البعض إلى استغلال الأرصفة، في حين تشير ناهد عبد الحي إلى أن انتشار المخالفة بين المحال المجاورة جعل الالتزام بالقانون يبدو خسارة تجارية لبعض أصحاب المحال.
لكن هذه المبررات، رغم ارتباطها بواقع اقتصادي صعب، لا تلغي حقيقة أن الفوضى الناتجة عنها تنقل العبء إلى المواطنين، وتحول الشارع إلى مساحة صراع بين الحاجة الاقتصادية والحق العام.
غياب الردع يعيد إنتاج الفوضى
يرى الخبير في التخطيط الحضري أنس قولي أن تنظيم الأسواق لا يعني إلغاء النشاط التجاري، بل إيجاد توازن يحفظ حق التاجر في العمل وحق المواطن في استخدام المرافق العامة.
ويؤكد أن الحل يحتاج إلى تطبيق القوانين على الجميع، وإنشاء أسواق أو مساحات مخصصة للعروض الخارجية وفق ضوابط واضحة، بدلاً من ترك الأرصفة رهينة للمبادرات الفردية.
من جانبه، يحذر المختص في السلامة المرورية مازن العلي من أن إجبار المشاة على استخدام الطرقات يرفع احتمالات وقوع حوادث الدهس، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة المرورية العالية، مشيراً إلى أن الرصيف يمثل خط الدفاع الأول عن سلامة المارة.
رقابة متأخرة أمام ظاهرة متجذرة
وتقر محافظة ريف دمشق بأن استمرار إشغالات الأرصفة يرتبط جزئياً بحملات رقابية مؤقتة لا تمنع عودة المخالفات، إضافة إلى ضعف الالتزام بالقوانين لدى بعض أصحاب المحال الذين يتعاملون مع الرصيف باعتباره امتداداً طبيعياً لمساحتهم التجارية.
ويؤكد الأمين العام للمحافظة مالك محروس أن البلديات تتخذ إجراءات تشمل إزالة الإشغالات، ومصادرة البضائع، وتنظيم الضبوط، وفرض الغرامات، وقد تصل إلى إغلاق المحال عند تكرار المخالفات.
إلا أن استمرار الظاهرة يكشف أن الإجراءات الحالية لم تكن كافية لخلق ردع حقيقي، وأن المعالجة لا تزال تدور في إطار الحملات المؤقتة بدلاً من بناء نظام رقابي دائم يعيد للمدينة توازنها.
فالأرصفة ليست تفصيلاً عمرانياً صغيراً، بل مقياس لقدرة الإدارة المحلية على حماية المساحات المشتركة. وفي ريف دمشق، حيث تتراكم الأزمات الخدمية والمعيشية، يكشف الرصيف المحتل عن مشكلة أكبر: تراجع حضور القانون أمام تمدد الفوضى، وتحول الحقوق العامة إلى مساحة قابلة للتفاوض.
اقرأ أيضاً: مواد البناء تحتل الأرصفة في سوريا.. فوضى عمرانية تدفع المشاة إلى الشوارع وتكشف ضعف الرقابة