نهر الفرات: خسائر تقصم ظهر مزارعي القمح وأزمة الأسعار تشتعل في الأسواق السورية
لم يكن موسم حصاد القمح هذا العام في شرقي سوريا سوى رحلة محملة بالخسائر والمرارة للمزارعين. فبينما ينتظر الفلاحون نهاية الموسم لتسديد ديونهم وتأمين نفقات العام التالي، باغتت مياه فيضان نهر الفرات حقولهم قبل أيام قليلة من الحصاد، جارفةً معها تعب أشهر من العمل المضني في لحظات خاطفة.
وتكشف هذه الكارثة الطبيعية عن مفارقة اقتصادية حادة في الأسواق السورية؛ فبينما يبيع الفلاحون ما نجا من محاصيلهم بأسعار زهيدة، يواجه المستهلك السوري ارتفاعاً متواصلاً في أسعار المواد الغذائية. وبين الحقل ورفوف المتاجر، تتضاعف الأسعار عبر سلسلة طويلة من الوسطاء والكلف المتراكمة، في معادلة يبدو فيها الجميع خاسراً.
شهادات حية: مزارعو دير الزور في مواجهة “الغمر المباغت”
تتطابق روايات مزارعي ريف دير الزور حول حجم الصدمة والخسائر التي لم تقتصر على المحصول، بل طالت رأس المال بالكامل:
-
معتصم العيسى (مزارع من ريف دير الزور الغربي): يروي لموقع “تلفزيون سوريا” كيف تسربت المياه تدريجياً لتغمر مساحات واسعة من القمح، مشيراً إلى أن الأضرار امتدت للأحياء السكنية والمنشآت. ويضيف: “أنفقنا مبالغ هائلة على البذار والأسمدة والمازوت، وخسارتنا اليوم هي خسارة كامل رأس المال. لا نطالب بتعويض تعبنا، لكننا نحتاج استرداد كلفة الإنتاج لنتمكن من الزراعة مجدداً”.
-
مصعب البكدالي (مزارع من منطقة خشام): يوضح أن الكارثة تهدد جاهزية التربة للمواسم المقبلة بسبب استمرار الغمر، مؤكداً أن عجز الفلاحين عن تأمين مستلزمات الإنتاج الجديدة يجعل التعويضات الحكومية ضرورة قصوى للحفاظ على استمرار النشاط الزراعي في المنطقة.
لغة الأرقام: بيانات صادمة تكشف حجم الكارثة الزراعية
أظهرت الإحصائيات الرسمية والتقارير الدولية أرقاماً غير مسبوقة لحجم الضرر الذي ضرب السلة الغذائية السورية:
من الحقل إلى السوق.. كيف تنتقل أزمة الإنتاج إلى المستهلك؟
لا يتوقف أثر الفيضانات عند حدود الحقول المدمرة، بل يمتد سريعاً ليربك حركة الأسواق عبر قنوات متعددة:
1. اختلال كلفة التصنيع وسلاسل التوريد
يوضح عدنان نصري، مدير التسويق في إحدى شركات المواد الغذائية، لموقع “تلفزيون سوريا” أن السوق المحلية تتأثر فوراً بنقص المعروض الناجم عن الفيضانات أو الجفاف. هذا النقص يرفع تكاليف المواد الخام من المصدر، مما يجبر المصانع على رفع أسعار المنتج النهائي، أو اللجوء إلى الاستيراد البديل المثقل بكلف الشحن والرسوم وتقلبات الصرف.
2. قطاع زيت الزيتون تحت مقصلة التغير المناخي
وفي سياق متصل، يشير خالد حمو، مدير شركة لإنتاج زيت الزيتون، إلى أن التحديات المناخية والآفات الزراعية تسببت في تراجع ملحوظ في إنتاج الزيتون هذا العام. هذا التراجع رفع كلفة المادة الخام بشكل قياسي، محذراً من عزوف المنتجين عن الاستثمار في هذا القطاع ما لم تتوفر برامج دعم ومكافحة حقيقية للأمراض.
حيتان الأسواق وتعدد الوسطاء: أين تذهب القيمة المضافة؟
في الوقت الذي يدفع فيه المستهلك السوري ثمن الغلاء، تبقى أرباح الفلاحين شبه منعدمة. ويعزو أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، هذا الخلل إلى عدة عوامل بنيوية:
-
تعدد حلقات الوساطة: تمر السلعة من الفلاح إلى التاجر، ثم تاجر الجملة، وصولاً إلى بائع المفرق، وتتضخم القيمة في كل مرحلة.
-
تكتيك “سعر الاحتياط”: يلجأ المستوردون والتجار إلى تسعير البضائع بناءً على أسعار صرف أعلى من السعر الحقيقي تحسباً للتقلبات المستقبلية، وهي كلفة وهمية يتحملها المواطن وحده.
-
ضعف الرقابة التموينية: يقتصر دور الدوريات الرسمية على مراقبة وجود بطاقة السعر، دون التدقيق في التكلفة الفعلية للمادة.
عبد الرزاق حبزة: “الاقتصاد السوري غير مهيأ حالياً لسياسة السوق الحرة، والمواد الغذائية الأساسية بحاجة إلى أسعار استرشادية صارمة وبرامج تدخل إيجابي حكومي لحماية المستهلك.”
رؤية اقتصادية: تهديد مباشر للأمن الغذائي السوري
يؤكد الخبير الاقتصادي محمد العكار أن تدني هوامش ربح المزارعين يضعف قدرتهم على الصمود أمام المخاطر الطبيعية كالفيضانات والحرائق. ويحذر العكار من أن استمرار هذه الدوامة قد يدفع الكثيرين للعزوف عن زراعة القمح مستقبلاً—وهو الركيزة الأساسية للأمن الغذائي في البلاد.
وينوه العكار إلى أن الأزمة أعمق من مجرد موسم زراعي؛ إذ تضررت البنية التحتية وصوامع التخزين خلال سنوات الحرب، إلى جانب تراجع الموارد المائية. وللخروج من هذا النفق، يرى الخبير أن الحل يكمن في:
-
إعادة النظر في سلسلة التوزيع وتقليص عدد الوسطاء.
-
تطوير البنية التحتية لشبكات النقل والتخزين.
-
تفعيل صناديق حقيقية لحماية الفلاحين من الكوارث الطبيعية لضمان استقرار الأسعار.
إقرأ أيضاً: أبعد من رغيف الخبز: لماذا يُعد القمح في سوريا مسألة سيادة وجودية لا مجرد سلعة؟
إقرأ أيضاً: تجاوز مليون طن من القمح في سوريا موسم وفير يصطدم بأزمات الإدارة والتسويق