الاقتصاد السوري بين فوضى الأسواق وضغوط الليرة.. هل فقدت الحكومة أدوات ضبط المعيشة؟

تزداد مؤشرات الاختلال في الاقتصاد السوري اتساعًا، بينما تبدو الحكومة السورية الانتقالية عاجزة عن تحويل وعود الإصلاح الاقتصادي إلى إجراءات ملموسة تنعكس على حياة المواطنين. فارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار الضغوط على الليرة السورية، تكشف جميعها عن أزمة أعمق من مجرد تقلبات نقدية، أزمة تتصل بغياب رؤية اقتصادية متكاملة قادرة على استعادة التوازن في سوق أنهكته سنوات الحرب وسياسات الإدارة المرتبكة.

ورغم الحديث الرسمي عن الانتقال إلى اقتصاد السوق، يرى مختصون أن هذا التحول جرى دون بناء منظومة رقابية فعالة، ما فتح الباب أمام حالة من الفوضى السعرية، وأطلق يد كبار التجار في تحديد الأسعار بعيدًا عن أي منافسة حكومية حقيقية.

غياب “السورية للتجارة”.. السوق بيد التجار

بات تراجع دور المؤسسة السورية للتجارة أحد أبرز مظاهر التحول الاقتصادي المثير للجدل، بعدما فقدت الدولة إحدى أهم أدواتها للتدخل في الأسواق وضبط الأسعار. ويؤكد أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، أن ما كان يعرف بـ”التدخل الإيجابي” اختفى عمليًا، بينما انحصر دور الأجهزة الرقابية في مراقبة الإعلان عن الأسعار ومكافحة الغش، دون قدرة فعلية على كبح موجات الغلاء أو ضبط هوامش الأرباح.

ويرى مراقبون أن المواطن أصبح الحلقة الأضعف في معادلة السوق، يواجه ارتفاعًا متواصلًا في الأسعار دون وجود جهة توازن العلاقة بين المستهلك والتاجر، في وقت تتراجع فيه مستويات الدخل بصورة غير مسبوقة.

الليرة السورية.. استقرار هش يخفي أزمة أعمق

بالتوازي مع ذلك، يثير مشروع استبدال العملة السورية تساؤلات حول مدى قدرته على تحقيق استقرار نقدي حقيقي. ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن عملية الإصلاح النقدي بقيت ناقصة، بعدما استمرت الأسواق في اعتماد آليات التسعير القديمة، مقابل تداول العملة الجديدة، ما خلق حالة من الازدواجية والارتباك في التعاملات اليومية، زادها تعقيدًا غياب الفئات النقدية الصغيرة.

أما على مستوى سعر الصرف، فتظل الفجوة الكبيرة بين احتياجات الاقتصاد من القطع الأجنبي والموارد المتاحة عاملًا رئيسيًا في استمرار الضغوط على الليرة. إذ يحتاج الاقتصاد السوري إلى ما بين 12 و15 مليار دولار سنويًا، بينما لا تتجاوز موارده الفعلية بضعة مليارات، في ظل ضعف الصادرات، وتراجع الاستثمارات، واستمرار الاعتماد الكبير على الاستيراد.

سيولة أكبر… وتضخم يلوح في الأفق

ويحذر اقتصاديون من أن ضخ كميات إضافية من الليرة الجديدة، بالتزامن مع تمويل شراء محصول القمح وصرف الزيادات على الرواتب، قد يتحول إلى موجة تضخمية جديدة إذا لم ينجح مصرف سوريا المركزي في امتصاص السيولة عبر أدوات نقدية فعالة.

كما يؤكد مختصون أن التحسن النسبي الذي شهدته الليرة خلال الفترة الأخيرة يرتبط إلى حد كبير بعوامل نفسية مرتبطة بعملية استبدال العملة، أكثر مما يعكس تحسنًا حقيقيًا في المؤشرات الاقتصادية، ما يجعل هذا الاستقرار مؤقتًا وقابلًا للتراجع مع انتهاء العملية وعودة الطلب المرتفع على القطع الأجنبي.

أزمة بنيوية تتجاوز الحلول المؤقتة

وتجمع تقديرات الخبراء على أن استقرار الاقتصاد السوري لن يتحقق عبر إجراءات مالية معزولة أو تغييرات شكلية في السياسة النقدية، بل يتطلب معالجة الأسباب البنيوية للأزمة، وفي مقدمتها تنشيط الإنتاج، وزيادة الصادرات، واستعادة الثقة بالقطاع المالي، وجذب الاستثمارات، إلى جانب بناء منظومة رقابية حقيقية تحد من الاحتكار وتعيد ضبط الأسواق.

وفي ظل استمرار الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي، تبدو معيشة السوريين أكثر هشاشة، بينما تتراجع قدرة الحكومة الانتقالية على احتواء الأزمات المتلاحقة. وبين تضخم يلتهم الدخول، وأسواق تتجاوزها الرقابة، وليرة ما تزال رهينة نقص القطع الأجنبي، يبقى الاقتصاد السوري عالقًا في دائرة مفرغة، تتجدد فيها الأزمات بوتيرة أسرع من الحلول.

 

اقرأ أيضاً: أزمة البنزين في سوريا: كيف تحولت قرارات خفض الأسعار إلى اختناقات وتكدس أمام المحطات

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.