الصناعة السورية.. عودة متعثرة في مواجهة ركام الحرب

لم تكن الصناعة السورية مجرد قطاع اقتصادي، بل كانت لعقود أحد أعمدة البلاد الإنتاجية ومصدراً رئيسياً للتشغيل والتصدير. غير أن سنوات الحرب دفعت هذا القطاع إلى واحدة من أعمق أزماته، بعدما تحولت آلاف المصانع إلى منشآت متوقفة، وغادرت الكفاءات والأسواق، فيما تراكمت أزمات الطاقة والتمويل وارتفاع تكاليف الإنتاج.

خسائر ثقيلة وتعافٍ بطيء

قبل عام 2011 شكّلت الصناعات النسيجية والغذائية والهندسية والكيميائية ركيزة أساسية للاقتصاد السوري، لكن الحرب غيّرت المشهد بالكامل. فقد تراجع الإنتاج الصناعي بشكل حاد، فيما خرجت نسبة كبيرة من المنشآت عن الخدمة نتيجة الدمار ونقص البنية التحتية وهجرة اليد العاملة الماهرة.

ويؤكد الخبير الاقتصادي حسان مراد أن جزءاً كبيراً من المنشآت الصناعية ما يزال يعمل بطاقات إنتاجية محدودة، بينما لا تزال قطاعات كاملة تعاني من آثار الدمار، خاصة في حلب وحمص وريف دمشق ودير الزور، في حين تبدو محافظات الساحل الأقل تضرراً نسبياً.

ورغم تراجع العمليات العسكرية، لا تزال العقبات البنيوية قائمة، وفي مقدمتها أزمة الكهرباء، وارتفاع تكاليف التشغيل، ونقص التمويل، وتراجع الخبرات الفنية، ما يضعف قدرة المنتج السوري على المنافسة محلياً وخارجياً.

عودة المصانع.. لكن التحديات مستمرة

مع بدء المرحلة الانتقالية، شهد القطاع الصناعي مؤشرات انتعاش محدودة. ويشير رأفت سليمان، مدير فرعي في وزارة الاقتصاد، إلى أن إعفاء الآلات الصناعية المستوردة من الرسوم الجمركية أسهم في عودة أكثر من 1600 منشأة للعمل منذ نهاية عام 2024، بينها نحو 300 منشأة دخلت مرحلة الإنتاج الفعلي.

كما سجلت وزارة الاقتصاد مئات الطلبات لاستيراد خطوط إنتاج جديدة، تركزت في قطاعات النسيج والصناعات الغذائية والكيميائية والهندسية، فيما تصدرت حلب المحافظات الأكثر نشاطاً في إعادة تشغيل المنشآت الصناعية.

إلا أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، ما تزال محدودة مقارنة بحجم القطاع قبل الحرب، حيث تبقى مشكلات الطاقة والتمويل والطلب المحلي من أبرز التحديات التي تواجه الصناعيين.

الطاقة والتمويل.. عقدة الإنتاج

يرى صناعيون أن أزمة الكهرباء تمثل العقبة الأكبر أمام التعافي، إذ تدفع ساعات التقنين الطويلة المصانع للاعتماد على المولدات الخاصة، ما يرفع تكاليف الإنتاج بشكل كبير.

ويضاف إلى ذلك ضعف التمويل المصرفي، وغياب القروض الصناعية الميسرة، إلى جانب تراجع القوة الشرائية للمواطنين، الأمر الذي يحد من قدرة الأسواق المحلية على استيعاب الإنتاج.

كما يشكل الاعتماد على المواد الأولية المستوردة وتقلبات أسعار الصرف تحدياً إضافياً يربك خطط التوسع والاستثمار لدى أصحاب المنشآت.

ما الذي تحتاجه الصناعة السورية؟

تؤكد الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب أن أي مشروع حقيقي لإنعاش الصناعة يبدأ من تأمين الطاقة واستقرارها، باعتبارها الشرط الأساسي لعودة الإنتاج. كما تشدد على أهمية دعم الصناعات التحويلية التي تخلق قيمة مضافة للاقتصاد بدلاً من تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات النهائية.

وترى الخطيب أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع برامج التمويل الميسر، وتشجيع الاستثمار، واستقطاب الكفاءات السورية المهاجرة عبر حوافز اقتصادية وتشريعية واضحة، معتبرة أن إعادة بناء الصناعة ليست مجرد عملية ترميم للمصانع، بل مشروع وطني لإعادة بناء الاقتصاد نفسه.

وبين مصانع عادت إلى العمل وأخرى ما تزال تنتظر الكهرباء والتمويل والأسواق، تقف الصناعة السورية اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى فرصة لإعادة بناء قطاع أكثر حداثة وقدرة على المنافسة، أو أن يبقى التعافي محصوراً في خطوات جزئية لا تكفي لاستعادة الدور الذي لعبته الصناعة لعقود طويلة في الاقتصاد السوري.

 

اقرأ أيضاً: بين ضجيج المنصات وصمت المستثمرين.. كيف يدفع خطاب الكراهية الاقتصاد السوري الثمن؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.