«دمشق الجديدة».. مشروع إماراتي بـ7 مليارات دولار يختبر قدرة سوريا على جذب الاستثمار

يمثل اتفاق شركة «أرادَ» الإماراتية مع الصندوق السيادي السوري لإقامة مشروع «دمشق الجديدة» قرب المزة، بقيمة تطويرية إجمالية معلنة تبلغ 7 مليارات دولار، أحد أبرز الاستثمارات العقارية الجديدة في سوريا. ويأتي المشروع، الذي يمتد على 4 ملايين متر مربع، في وقت تسعى فيه الحكومة السورية إلى استقطاب رأس المال الخارجي ودفع اقتصاد يعاني محدودية الموارد وتداعيات سنوات الحرب.

وتشمل المخططات 11 ألف وحدة سكنية، و500 غرفة فندقية، وألف شقة مخدّمة، إلى جانب مستشفى بسعة 300 سرير، ومرافق تعليمية تستوعب 5 آلاف طالب، وحديقة عامة تبلغ مساحتها 700 ألف متر مربع.

لكن حجم الاستثمار المعلن لا يعني بالضرورة دخول 7 مليارات دولار إلى الاقتصاد السوري. فالشركة استخدمت عبارة «القيمة التطويرية الإجمالية»، وهي تشير إلى القيمة المتوقعة للأصول بعد اكتمال تطويرها، بما في ذلك المساكن والفنادق والمكاتب وغيرها، قبل احتساب كلفة البناء والتمويل والتسويق وأرباح المستثمر.

7 مليارات دولار ليست بالضرورة أموالاً داخلة إلى سوريا

تُبقي المعلومات المعلنة حتى الآن على عدد من التفاصيل المالية الأساسية دون إجابات، بينها الكلفة الفعلية لتنفيذ المشروع، وآلية تمويله، وحجم مساهمة كل طرف، فضلاً عن الجدول الزمني للتنفيذ.

وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة عند محاولة قياس الأثر الاقتصادي للمشروع. فالقيمة النهائية المتوقعة للعقارات والمنشآت تختلف عن حجم الأموال التي ستُضخ فعلياً في مراحل البناء. كما يمكن أن تتوزع المبيعات والإنفاق على سنوات، بحسب مراحل التطوير وقدرة السوق على استيعاب الوحدات الجديدة.

وعليه، فإن تقييم أثر «دمشق الجديدة» على الناتج المحلي أو فرص العمل أو الطلب على القطع الأجنبي يتطلب معرفة التدفقات المالية الفعلية للمشروع، وليس الاكتفاء بالقيمة التطويرية المعلنة.

مشروع كبير مقارنة بحجم الاقتصاد السوري

تظهر ضخامة الرقم بصورة أوضح عند مقارنته بحجم الاقتصاد السوري. فقد قدّر البنك الدولي الناتج المحلي الإجمالي لسوريا بنحو 21.4 مليار دولار عام 2024، ما يجعل القيمة التطويرية المعلنة للمشروع تعادل قرابة ثلث الناتج المحلي في ذلك العام.

ولا تعني هذه المقارنة أن المشروع سيضيف ثلثاً إلى حجم الاقتصاد، إذ إن تطويره سيتم على مراحل، كما أن جزءاً من الـ7 مليارات دولار يمثل قيمة الأصول عند اكتمالها وبيعها، وليس تدفقات استثمارية مباشرة بالمقدار نفسه.

وفي قطاع إعادة الإعمار، قدّر البنك الدولي كلفة إعادة بناء الأصول المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها 82 مليار دولار للبنية التحتية، و75 ملياراً للمساكن، و59 ملياراً للمباني غير السكنية. وبذلك تمثل قيمة «دمشق الجديدة» نحو 3.2% من فاتورة إعادة الإعمار المقدرة، مع اختلاف طبيعة المشروع عن عمليات إصلاح الأضرار القائمة، إذ يتجه إلى إنشاء منطقة جديدة أكثر من إعادة بناء المناطق التي دمرتها الحرب.

وتعكس بيانات المالية العامة بدورها محدودية الموارد المتاحة للدولة. ففي النصف الأول من عام 2026، بلغت إيرادات الخزينة 2.7 مليار دولار مقابل إنفاق قدره 3.7 مليارات، أي بعجز بلغ مليار دولار. وبذلك تتجاوز قيمة المشروع المعلنة إيرادات الدولة خلال تلك الفترة بأكثر من ضعفين ونصف، وتبلغ نحو سبعة أمثال العجز المسجل.

التركيز على غرب دمشق يطرح سؤال توزيع التنمية

اختيار موقع المشروع قرب المزة ومركز العاصمة ينسجم مع اعتبارات السوق العقارية، إذ يميل رأس المال عادة إلى المناطق التي تتمتع بطلب أقوى وإمكانات عائد أسرع.

لكن هذا الخيار يفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول التوزيع الجغرافي للاستثمارات. فمدن مثل حلب وحمص وأجزاء واسعة من ريف دمشق لا تزال بحاجة إلى استثمارات أساسية، في حين قد تكون القدرة الشرائية في المناطق المتضررة أقل من تلك المتوقعة في محيط العاصمة.

ومن هذه الزاوية، يخدم موقع المشروع حسابات المستثمر المرتبطة بحجم الطلب والعائد المحتمل، لكنه يثير تساؤلاً أوسع حول كيفية توزيع الاستثمارات الجديدة بين المناطق السورية المختلفة.

11 ألف وحدة سكنية.. من المستفيد؟

يقدم المشروع إضافة كبيرة إلى المعروض العقاري في موقعه، لكنه لا يحل بمفرده أزمة السكن على مستوى البلاد. فالوحدات السكنية البالغ عددها 11 ألفاً يمكن أن تستوعب بين 44 ألفاً و55 ألف نسمة إذا تراوح متوسط عدد المقيمين في الوحدة الواحدة بين 4 و5 أشخاص.

ويبقى هذا العدد محدوداً مقارنة بحجم الأضرار التي طالت مئات التجمعات السكنية، وبكلفة إعادة بناء المساكن التي قدرها البنك الدولي بنحو 75 مليار دولار.

كما أن طبيعة الوحدات نفسها تعد عاملاً أساسياً في تحديد المستفيدين منها. فالمشروع يتضمن شققاً وفللاً ومساكن تحمل علامات تجارية، إضافة إلى شقق مخدّمة، وهي منتجات يمكن أن تستقطب المغتربين وأصحاب الدخول المرتفعة والمستثمرين.

في المقابل، تواجه الأسر المتضررة من الحرب تحدياً مختلفاً يرتبط بمحدودية الدخل وصعوبة الحصول على تمويل سكني ملائم.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نصيب الفرد من الدخل القومي بلغ نحو 830 دولاراً سنوياً في 2024، بينما يعيش ربع السكان في فقر مدقع، ويعيش ثلثا السكان تحت خط الفقر المستخدم للدول متوسطة الدخل.

وتعني هذه المؤشرات أن جزءاً كبيراً من الطلب السكني في سوريا يرتبط بالحاجة إلى مساكن ميسرة وأقساط تتناسب مع دخول الأسر، وليس فقط بعقارات مخصصة لحفظ المدخرات أو الاستثمار.

لذلك، سيكون سعر الوحدات وشروط شرائها عاملاً حاسماً في تحديد البعد الاجتماعي للمشروع. ويمكن لتخصيص جزء من الوحدات للسكن الميسر أن يقرّب المشروع من احتياجات السكان، بينما قد يؤدي غياب هذا المكون إلى جعله أقرب إلى تطوير سوق عقارية جديدة منه إلى معالجة أزمة السكن.

الأثر الاقتصادي يتوقف على ما يبقى داخل البلاد

يمتلك قطاع البناء قدرة على توليد نشاط اقتصادي يتجاوز حدود موقع المشروع نفسه، نظراً إلى حاجته إلى مواد بناء، وخدمات هندسية، وشركات مقاولات، وعمالة على مدى سنوات التنفيذ.

وتزداد هذه الفائدة إذا اعتمد المشروع على الموردين والشركات المحلية، لأن الإنفاق يتحول عندها إلى أجور وضرائب وطلبات جديدة داخل الاقتصاد السوري، بما يوسع أثر الاستثمار المباشر.

لكن الواردات تمثل الوجه المقابل. فإذا احتاج المشروع إلى استيراد نسبة كبيرة من مواد البناء والتجهيزات، فإن جزءاً من الإنفاق سيتجه إلى الخارج، بالتوازي مع زيادة الطلب على القطع الأجنبي.

ولهذا فإن حجم الإنفاق المحلي ومصدر المكونات والمواد المستخدمة في التنفيذ قد يكون أكثر دلالة على الأثر الاقتصادي من القيمة الإجمالية المعلنة للمشروع.

وتبرز كذلك مسألة البنية التحتية والخدمات. فمشروع بهذا الحجم يحتاج إلى شبكات وخدمات تتناسب مع عدد السكان والمنشآت. وإذا تحمل المستثمر هذه الكلفة، فإنها تدخل ضمن استثماره؛ أما إذا تحملتها الدولة، فإنها تصبح مساهمة عامة ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم الاتفاق والعائد الذي تحصل عليه الخزينة.

الأرض العامة في صلب تقييم الشراكة

وجود الصندوق السيادي السوري طرفاً في الاتفاق يجعل الأرض العامة أحد العناصر الرئيسية عند تقييم الشراكة.

وتعتمد عدالة الصفقة، في جانب منها، على طبيعة المقابل الذي تحصل عليه الدولة لقاء الأرض التي تقدمها للمشروع. فالأرض أصل عام، وتقييم استخدامها لا يرتبط فقط بحجم المشروع المعلن، وإنما بالعائد الاقتصادي والاجتماعي الذي سيعود إلى الدولة مقارنة بقيمة الأصل الذي قدمته.

كما تتوقف جودة التفاوض على توافر المعلومات المالية والقانونية اللازمة أمام الدولة. فالمطور يمتلك عادة تقديرات مفصلة بشأن كلفة الإنشاء والمبيعات والعائد المتوقع، وهو ما يمنحه قدرة أكبر على تقييم المخاطر وتوزيعها.

ومن شأن نشر الأسس المالية والقانونية للشراكة أن يتيح قياس مدى توازن الأرباح والأعباء بين الطرفين.

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية مع دخول الصندوق السيادي في مشروعات متزايدة. فنجاحه لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو بقيمتها المعلنة، وإنما بقدرته على تحويل الأصول العامة إلى مصدر دخل طويل الأجل، مع وجود عقود واضحة ومراجعة مستقلة ونتائج قابلة للقياس بعد بدء التنفيذ.

استثمار إماراتي بعد سنوات من العزلة

جاء الاتفاق بعد إزالة الولايات المتحدة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي خطوة خففت أحد المخاطر الرئيسية التي كانت تعوق تعامل المصارف والمستثمرين مع السوق السورية.

ويمنح دخول شركة «أرادَ» الإماراتية إلى السوق السورية دمشق شريكاً اقتصادياً إضافياً، كما يمكن أن يشجع شركات أخرى على اختبار فرص الاستثمار في البلاد بعد سنوات من العزلة.

وبالنسبة إلى مشروع «دمشق الجديدة»، فإن قدرته على جذب رأس المال والخبرة وإعادة تنشيط قطاع البناء تمثل فرصة اقتصادية محتملة، لكن حجم المشروع وحده لا يكفي للحكم على أثره التنموي.

المؤشرات الأكثر أهمية ستتعلق بحجم الأموال التي ستدخل الاقتصاد السوري فعلياً، ونسبة الإنفاق التي ستبقى داخل البلاد، وعدد فرص العمل التي ستنشأ، والعائد الذي ستحصل عليه الدولة، وطبيعة الوحدات السكنية التي ستصل إلى السوق.

ويبقى الإعلان عن الكلفة الفعلية وآلية التمويل والجدول الزمني للتنفيذ، ثم بدء أعمال البناء وظهور أثر المشروع على الشركات والعمالة السورية، مراحل أساسية لتقييم النتائج.

وفي انتظار هذه البيانات، تبقى قيمة الـ7 مليارات دولار مؤشراً إلى حجم الطموح الاستثماري للمشروع، فيما يظل تحويل هذا الحجم إلى عائد اقتصادي واجتماعي ملموس داخل سوريا الاختبار الأهم للشراكة.

إقرأ أيضاً: مشروع دمشق الجديدة: صفقة عقارية بـ 7 مليارات دولار تفتح سجال الاستثمار في سوريا

إقرأ أيضاً: مشروع بومونت دمشق العقاري ينطلق باستثمار 300 مليون دولار ويوفر 5 آلاف فرصة عمل

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.