بين “النابور” و”اللاقوط”.. كيف تُحدد أجور عمال قطاف الزيتون في طرطوس؟
مع اقتراب موسم قطاف الزيتون في محافظة طرطوس، تعود إلى الحقول منظومة محلية قديمة لتنظيم العمل، تتوزع فيها المهام بين عمال يحملون تسميات مختلفة، أبرزها “النابور” و”اللاقوط”، فيما تحدد أجورهم وفق طبيعة العمل وظروف الحقل والتضاريس.
وتحدد الأجور الاسترشادية لموسم 2026 عند 800 ليرة سورية يوميًا لـ”اللاقوط” و1000 ليرة لـ”النابور”، بحسب رئيس اتحاد فلاحي طرطوس رائد صلاح مصطفى، الذي أوضح أن هذه الأرقام غير ملزمة قانونًا، وأن الأجر النهائي يُحسم بالاتفاق بين العامل وصاحب الحقل.
وتأتي هذه التسعيرة في وقت تشهد فيه المحافظة ارتفاعًا في الطلب على العمالة الزراعية، بالتزامن مع تقديرات رسمية بوصول إنتاج الزيتون هذا الموسم إلى نحو 127 ألف طن.
“النابور” و”اللاقوط”.. سلم للمهام في موسم القطاف
لا تقتصر خصوصية موسم الزيتون في ريف طرطوس على طبيعة العمل الزراعي، إذ تحمل عملية القطاف تقسيمًا تقليديًا للمهام ما يزال متداولًا بين المزارعين.
وقال أبو علي، البالغ من العمر 62 عامًا والمنحدر من قرية بلوزة بريف بانياس، إن “النابور” يتصدر هذا التسلسل، باعتباره العامل المسؤول عن المهام الأثقل والأكثر حساسية داخل “الورشة”.
وتشمل مسؤولياته الإشراف على فرش “المادات”، وهي الأقمشة أو الشوادر الكبيرة التي توضع أسفل الأشجار، إضافة إلى إنزال حبات الزيتون من الأغصان المرتفعة باستخدام العصا أو ما يعرف محليًا بـ”الجدادة”.
كما يتولى “النابور” ترتيب الأكياس وتجهيزها تمهيدًا لنقل المحصول إلى المعاصر، وله صلاحية اختيار مساعدين يعملون معه في الورشة.
في المقابل، يتولى “اللاقوط” مهمة جمع حبات الزيتون التي تسقط على “المادات” أو بين الأعشاب، ثم وضعها في السلال والأكياس. ووفق أبو علي، يغلب وجود السيدات في هذا النوع من العمل.
ولا تبدو هذه التراتبية ثابتة تمامًا، إذ يمكن للعامل الذي يثبت نشاطه وكفاءته في جمع المحصول أن ينتقل من دور “اللاقوط” إلى “النابور” عندما تقتضي الحاجة ذلك.
“التعفير”.. عمل يبدأ بعد مغادرة الورشات
بعد انتهاء فرق القطاف من عملها ومغادرتها الحقول، يظهر دور آخر يعرف باسم “العافور”.
ويعمل العافور في جمع حبات الزيتون التي قد تبقى بين الأغصان أو في أجزاء من الأرض بعد انتهاء القطاف الأساسي، ضمن عملية تعرف محليًا باسم “التعفير”.
وتُعد هذه الممارسة جزءًا من العادات المرتبطة بموسم الزيتون في ريف طرطوس، كما توفر مصدر دخل إضافيًا لعدد من العائلات.
وبحسب أبو علي، تختلف أجور العمال تبعًا لطبيعة المهام والظروف المحيطة بالعمل، إذ يحصل “النابور” على الأجر الأعلى نتيجة المسؤوليات والجهد المرتبطين بدوره، بينما يكون أجر “اللاقوط” أقل بالنظر إلى طبيعة مهمته.
ويواجه المزارعون، في المقابل، ارتفاعًا في تكاليف العمالة إلى جانب نفقات نقل المحصول وعصره، ما يضغط على هامش الربح ويضع العامل وصاحب الحقل أمام تحديات مرتبطة بتكاليف موسم الإنتاج وتأمين الدخل.
127 ألف طن تقديرات إنتاج الزيتون في طرطوس
وقال مدير الزراعة في طرطوس، محمد عدنان أحمد، إن التقديرات الرسمية تشير إلى إمكانية وصول إنتاج المحافظة من الزيتون خلال الموسم الحالي إلى نحو 127 ألف طن.
وأوضح أحمد أن طرطوس تأتي في المرتبة الرابعة بين المحافظات السورية من حيث زراعة الزيتون، داعيًا المزارعين إلى الالتزام بموعد القطاف الذي ستحدده وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي لكل محافظة على حدة.
كما حثّ المزارعين على استخدام أساليب سليمة أثناء جني المحصول، محذرًا من استخدام العصا لما قد تسببه من أضرار للأشجار.
وشدد مدير الزراعة على ضرورة نقل الزيتون مباشرة من الحقول إلى المعاصر، وتجنب إبقائه مخزنًا في المنازل لفترات طويلة، بهدف الحفاظ على جودة المحصول ونقاء الزيت.
800 ليرة لـ”اللاقوط” و1000 لـ”النابور”
وفيما يتعلق بأجور العمال، قال رئيس اتحاد فلاحي طرطوس رائد صلاح مصطفى إن الأجور الاسترشادية التي جرى تحديدها لموسم 2026 تبلغ 800 ليرة سورية يوميًا لـ”اللاقوط”، مقابل 1000 ليرة لـ”النابور”.
وأشار مصطفى إلى أن نسبة الضمان تتراوح بين 25% في الأراضي السهلة و50% في الأراضي الوعرة.
وأوضح أن تحديد هذه المؤشرات جاء بعد مشاورات مع رؤساء الروابط والجمعيات الفلاحية في المحافظة، بهدف دراسة الأجور المتداولة في الحقول والوصول إلى معادلة تراعي حقوق العمال وقدرة المزارعين على تحمل تكاليف الموسم.
وأضاف أن ارتفاع الطلب على العمالة الزراعية في طرطوس خلال العام الحالي كان من بين العوامل التي دفعت إلى وضع مؤشرات رقمية واضحة لأجور قطاف الزيتون.
الأجر النهائي يحدده الاتفاق وطبيعة الحقل
وأكد مصطفى أن الأجور المحددة لا تحمل صفة الإلزام القانوني، وإنما تمثل مؤشرات استرشادية، بينما يبقى الاتفاق الرضائي بين العامل وصاحب الحقل هو الأساس في تحديد الأجر.
وبيّن أن اعتماد تعرفة موحدة لجميع القرى والحقول ليس أمرًا سهلًا، بسبب اختلاف طبيعة الأراضي وظروف العمل من موقع إلى آخر.
وتدخل في تحديد الأجر عوامل عدة، بينها وعورة الأرض، وحجم حمل الأشجار، وإنتاجية العامل، وموقع الحقل ومدى قربه أو بعده عن الطرق التخديمية والمعاصر، إضافة إلى الوقت المطلوب لإنجاز العمل.
ويرى رئيس اتحاد فلاحي طرطوس أن عدد ساعات العمل الفعلية وحجم الجهد المبذول يمثلان معيارين أساسيين للوصول إلى تعرفة عادلة، موضحًا أن الهدف من المؤشرات هو الحد من استغلال العمال، مع مراعاة قدرة المزارعين وظروف العملية الإنتاجية خلال الموسم الحالي.
أكثر من 75 ألف هكتار مزروعة بالزيتون
وتنتشر زراعة الزيتون في مختلف مناطق محافظة طرطوس، بحسب مدير الزراعة، ضمن نطاق ارتفاع يتراوح بين صفر و1000 متر عن سطح البحر.
وتبلغ المساحة المزروعة بأشجار الزيتون في المحافظة 75,425 هكتارًا، فيما يقدر العدد الإجمالي للأشجار بنحو 11,088,941 شجرة.
ومن بين هذا العدد، توجد 10,764,007 شجرات مثمرة، وفق بيانات مديرية الزراعة.
ومع توقعات إنتاج تصل إلى 127 ألف طن، يدخل موسم قطاف الزيتون في طرطوس وسط محاولة لتنظيم سوق العمالة الزراعية عبر أجور استرشادية، مع إبقاء تحديد التعرفة النهائية مرتبطًا بظروف كل حقل والاتفاق بين العامل والمزارع.
اقرأ أيضاً:أزمات معيشية وتحديات معقدة تواجه العام الدراسي الجديد في الحسكة