رواد باشان في جنوب سوريا: من السيطرة العسكرية إلى محاولات الاستيطان
كشفت مزاعم جيش الاحتلال الإسرائيلي بأنه أوقف مستوطنين حاولوا التسلل عبر الحدود السورية في 30 تموز/يوليو 2026 عن تحول خطير يتجاوز مجرد الحوادث الحدودية العابرة. ووفقاً لتقارير إسرائيلية، جرى توقيف أكثر من 150 شخصاً خلال 16 محاولة عبور، بينما وثقت وكالة “أسوشيتد برس” نشاط جماعة “رواد باشان” التي تسعى لإنشاء بؤرة استيطانية يهودية في الجنوب السوري.
يطرح هذا التطور تساءلاً جوهرياً: هل تظل السيطرة الإسرائيلية إجراءً عسكرياً مؤقتاً، أم تتطور لتخلق واقعاً مدنياً يغير وظيفة الأرض وحدود التفاوض عليها؟
أربع خرائط متصارعة على جغرافيا واحدة
يشهد الجنوب السوري صراعاً بين أربع تصورات متناقضة للمكان:
-
الرؤية السورية: تعتبر القنيطرة ودرعا والسويداء إقليماً وطنياً واحداً، وتتعامل مع خط الفصل بوصفه ترتيباً أمنياً محكوماً باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
-
الرؤية العسكرية الإسرائيلية: ترى المنطقة كحزام أمني وحائط إنذار مبكر لحماية الجولان المحتل والبلدات القريبة.
-
رؤية جماعة “رواد باشان”: ترسم مجالاً عقائدياً استيطانياً يستند إلى المسمى التوراتي للمنطقة.
-
رؤية السكان المحليين: يرون الأرض كشبكة قرى ومصادر رزق تتأثر يومياً بالحواجز القائمة والقيود العسكرية.
الخلاصة: الصراع الحالي لا يدور حول رسم الحدود فقط، بل حول “الجهة التي تملك حق تعريف المكان”، سواء باعتباره “منطقة فصل” أو “حزاماً أمنياً” أو “باشان التاريخية”.
أهمية القنيطرة الاستراتيجية وديناميكية التمدد العسكري
تستمد محافظة القنيطرة أهميتها الاستثنائية من موقعها المتاخم للجولان المحتل وارتباطها بمحوري درعا والسويداء. وتوفر مرتفعاتها (وعلى رأسها جبل الشيخ) إمكانات هائلة للمراقبة والتحكم بالمسارات.
-
اتفاق 1974: أنشئت منطقة الفصل برعاية الأمم المتحدة (قوة UNDOF) لمراقبة وقف إطلاق النار.
-
توسع الانتشار: وسّع جيش الاحتلال الإسرائيلي توغله داخل المنطقة عقب انهيار النظام السياسي في كانون الأول/ديسمبر 2024 تحت ذريعة الاستجابة الأمنية.
-
خطورة الوجود المؤقت: يتسبب التواجد العسكري المستمر في فتح الطرق وإنشاء خطوط إمداد تستغلها الجماعات الاستيطانية للتردد على المنطقة والبحث عن موطئ قدم.
اختبار البؤرة الاستيطانية: التناقض بين الجيش والجماعة
تتبع جماعة “رواد باشان” التكتيك التقليدي للبؤر الاستيطانية عبر اختراق الحدود بفعاليات صغيرة لترسيخ أمر واقع:
-
جيش الاحتلال الإسرائيلي يزعم أن هذه المحاولات “نشاطاً غير قانوني” يعطل مهامه الميدانية ويخلق أزمات سياسية، فيقوم إثر ذلك بترحيل المتسللين.
-
جماعة “رواد باشان”: تتجاوز تكتيكات الأفراد عبر 16 محاولة منظمة، وتستغل وجود الجيش كدليل على سقوط الحدود القديمة. كما تحظى بدعم سياسي يترجمه لقاؤها بوزراء في الحكومة الإسرائيلية (وفق أسوشيتد برس).
توظيف الخطاب الطائفي والمشاريع الإقليمية
تستخدم الجماعة الاستيطانية الخطاب الإنساني كغطاء لمشاريعها التوسعية، من خلال طرح فكرة “الممر الإنساني” بين الجولان والسويداء لحماية الدروز. وقد صرح أحد قادتها بوضوح بأن هذا الممر يهدف إلى تفريغ المناطق السنية المجاورة في درعا، مما يحول الهويات المحلية والتركيبة السكانية إلى أدوات لإعادة ترسيم نفوذ القوى الخارجية.
عجز موقف دمشق وتراجع مفهوم السيادة
تواجه السلطة في دمشق أزمة سيادة عميقة في التعامل مع هذا الملف:
-
غياب الموقف الدبلوماسي: الاقتصار على بيانات الإدانة المقتضبة دون تحويل محاولات الاستيطان إلى ملف قانوني ودبلوماسي في المحافل الدولية.
-
إهدار القرار 497: عدم استثمار قرار مجلس الأمن رقم 497 لرفع دعاوى تلاحق المحاولات المدنية للاستيطان، وهو ما يخالف القانون الدولي الذي يحظر نقل سكان الدولة المحتلة إلى الأراضي الخاضعة لاحتلالها.
-
الفراغ الإداري: يساهم ضعف الخدمات والإدارة المحلية في قرى القنيطرة الحدودية في تحويل المنطقة إلى بيئة خصبة للاختراق.
المؤشرات المستقبلية: هل يصبح الاستيطان واقعاً دافئاً؟
إن ما تقوم به “رواد باشان” يؤكد أن التحولات الجيوسياسية تبدأ دائماً بـ “إعادة التسمية والسيطرة الرمزية” قبل صدور قرارات الضم الرسمية.
تعتمد المخططات القادمة على خفض كلفة العبور المتكرر وتحويل المحاولات غير القانونية إلى ممارسة مألوفة تفرض لاحقاً المطالبة بحماية عسكرية وطرق إمداد دائمة. وسيتوقف مستقبل الجنوب السوري على قدرة دمشق والمجتمع الدولي على الانتقال من “الإدانة الشفهية” إلى “الإدارة الفعلية والتحرك القانوني الحازم”.
إقرأ أيضاً: الجنوب السوري: صراع النفوذ بين درعا والسويداء والقنيطرة
إقرأ أيضاً: استيطان رعوي جنوب سوريا: الاحتلال يستنسخ نموذج الضفة الغربية