الحوالات المالية للمغتربين: شريان الحياة الاقتصادي والأسرية في سوريا
“ننتظر أول كل شهر بفارغ الصبر”.. بهذه الكلمات تختصر أم رامي واقع ملايين الأسر السورية التي أضحت الحوالات المالية القادمة من الأبناء والإخوة المغتربين في دول اللجوء والشتات، مثل ألمانيا وغيرها، طوق النجاة الوحيد لمواجهة ارتفاع الأسعار القاسي والظروف المعيشية الضاغطة، ومساعدتهم على تغطية التكاليف الأساسية من إيجار المنازل والطبابة وأقساط التعليم.
ولم تعد الحوالات المالية مجرد دعم عائلي عابر، بل تحولت إلى ملف اقتصادي واجتماعي ضخم يعيد تشكيل الواقع المالي للمجتمع والبلاد ككل.
النمو الرقمي للحوالات: 11 مليون دولار يومياً إلى سوريا
شهدت حركة الحوالات الخارجية القادمة إلى سوريا طفرة قياسية، وفق ما أكده الباحث الاقتصادي فاخر القربي، لصحيفة “الحرية” السورية متطرقاً للأرقام والإحصاءات التالية:
-
الارتفاع اليومي: ارتفع حجم الحوالات المالية اليومية من 7 – 8 ملايين دولار (ما يعادل 2.5 إلى 3 مليارات دولار سنوياً) قبل سقوط النظام السابق، ليصل حالياً إلى نحو 11 مليون دولار يومياً.
-
الإجمالي السنوي: تجاوز إجمالي الحوالات المالية المحولة منذ انهيار النظام حاجز 4 مليارات دولار في العام الأول وحده.
-
الاندماج المالي الدولي: يعود هذا النمو إلى ترميم المنازل، وتزايد الاعتماد على القنوات الرسمية عقب عودة ارتباط سوريا بنظام المدفوعات الدولي سويفت (SWIFT) وشبكات التحويل العالمية.
الأثر الاجتماعي والاقتصادي للحوالات على العائلات السورية
يوضح الباحث فاخر القربي أن الحوالات تشكل الشريان الأساسي لمعيشة ما يقارب 40% من الأسر السورية، ولها انعكاسات إيجابية وأخرى جانبية:
1. الإيجابيات والمكاسب المباشرة
-
تأمين الاحتياجات الأساسية: الاستجابة لمتطلبات الغذاء، الدواء، الملابس، وسداد أجور السكن.
-
تخفيف حدة الفقر: كبح معدلات الفقر المدقع للعائلات التي تفتقر لمصادر دخل محلي كافية.
-
إنعاش القوة الشرائية: ضخ سيولة مالية تحرك الأسواق الشديدة الركود.
2. التحديات والانعكاسات الاجتماعية
-
الاعتمادية: خطر تشكل حالة اعتاد كامل على الدعم الخارجي بدلاً من العمل والإنتاج المحلي.
-
التفاوت الطبقي: إحداث فجوة مالية وشرخ مجتمعي بين الأسر التي تتلقى حوالات بالعملات الصعبة وتلك المحصورة بالدخل المحلي المحدود.
-
البُعد الإنساني: تجسد هذه الأموال في جوهرها ضريبة الاغتراب، وألم سفر المعيلين بحثاً عن الأمان والرزق.
تأثير الحوالات على الكتلة النقدية والتضخم
تؤثر التدفقات المالية القادمة من الخارج بصورة مباشرة على حجم الكتلة النقدية المتداولة في السوق السوري.
ورغم التسهيلات والقرارات التنظيمية المرنة التي أصدرها مصرف سوريا المركزي مؤخراً، والتي تتيح للمستفيدين حرية استلام حوالاتهم إما بالليرة السورية أو بالعملات الأجنبية عبر شركات الصرافة وشبكات التحويل، إلا أن ضخ قسم من هذه الأموال خارج القنوات المصرفية الرسمية الكبرى يولد أحياناً ضغوطاً وتضخماً موسمياً في الأسواق المحلية.
خلاصة: ورغم الأرقام القياسية والتوافق على أهميتها الكبيرة، يرى خبراء اقتصاد أن الحوالات الخارجية باتت غير كافية بمفردها لسد الفجوة المالية العميقة التي تعاني منها الأسر السورية، مما يجعل البحث عن مصادر دخل إضافية وحلول اقتصادية هيكلية أمراً حتمياً لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز